الإثنين ، 1 سبتمبر 2014 - العدد 14819
جريدة كويتية يومية سياسية شاملة
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف

  إدوارد سعيد كتب لها قبل رحيله

تحية كاريوكا.. لعبة الفن والسياسة

تحية كاريوكا
تحية كاريوكا
إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
أنور عبدالملك
أنور عبدالملك
تم النشر في 2012/07/08
جهاد فاضل

من يقرأ سيرة الراقصة المصرية الشهيرة تحية كاريوكا يستنتج انها لم تكن مجرد راقصة وانتهى الامر، كما كانت على سبيل المثال سامية جمال او حكمت فهمي. فبالاضافة الى نجاحها كراقصة، كانت «توحة» امرأة قوية تختزن تجربة انسانية ثرية لا بسبب زواجها اربع عشرة مرة فقط لا غير، بل بسبب خروجها من الطبقة الدنيا في المجتمع وتقلبها بعد ذلك في حياة صاخبة، واقتران اسمها بسلسلة من المشاهير كان منهم في فترة من الفترات الملك فاروق وانور السادات، وهذا يعني ان حياتها الفنية توزعت على عهدين، هما العهد الملكي والعهد الجمهوري، وفي كليهما كانت نجمة لامعة لا في الرقص او في الفن وحدهما بل في الحياة الاجتماعية والسياسية على النحو الذي سنعرض له.

ويبدو ان تحية كاريوكا التي اعتزلت الرقص 1960 لا تزال تجد من يهتم بسيرتها ويستعيد ذكراها الى اليوم، فمن يراقب حركة اصدارات الكتب الجديدة في مصر، يعثر على عدد لا بأس به من الكتب التي تتناولها، ولعل احدث ظهور لها كان في السيرة التي وزعتها وكالات الانباء، قبل ايام للمفكر اليساري المصري الراحل انور عبدالملك الذي توفي قبل ايام في احد مستشفيات باريس، فقد ورد ضمن نبذة عن سيرته انه بعد تمكنه من الهرب من سجنه، زمن عبد الناصر، تخفى مدة من الوقت في منزل تحية كاريوكا قبل ان يترك مصر سراً الى الخارج.

لم يرد في الخبر لماذا لجأ الى منزل تحية كاريوكا، ولكن المعروف ان تحية كانت متزوجة من ضابط مصري يساري هو البكباشي مصطفى كمال صدقي الذي كان نزيل السجون باستمرار نظرا لصلاته ببعض التنظيمات الشيوعية المصرية.

ويبدو ان عدوى دخول السجن انتقلت الى تحية نفسها، ففي سيرتها انها امضت في السجن، وزمن عبد الناصر ايضا، «مائة يوم ويوم»! اما التهمة التي وجهت اليها يومها فهي «التآمر لقلب نظام الحكم» وهي التهمة نفسها التي وجهت الى زوجها البكباشي مصطفى كمال صدقي الذي لفرط ادمانه ع‍لى السجون، توفي في احدها.

 

ظاهرة فريدة

ويبدو ان تحية كاريوكا تحولت في تاريخ الفن في مصر، كما في المجتمع المصري، ذاته، الى ظاهرة شبيهة بظاهرة مارلين مونرو في اميركا، فكما ان مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلة، او فنانة، بل «ايقونة» يتابع الجمهور اخبارها بشغف، ويتابع ادق تفاصيل حياتها الشخصية، فإن الجمهور المصري شغف بهذه الراقصة البارعة وفتن بتجربتها وبما اختزنته هذه التجربة من العبر والدروس والمواقف.

من هذه المواقف ما واجهت به الملك فاروق عندما شاهدته يدلف ذات ليلة الى «الكباريه» الذي كانت ترقص فيه عندما كانت في بداية مشوارها الفني، فعندما شاهدت الملك يهم بالجلوس ومعه شلة من مرافقيه منهم أنطون بوللي سكرتيره الخاص، اقتربت منه وقالت له: ألستَ جلالة الملك؟ ابتسم فاروق واجابها بالايجاب، عندها قالت له: «يا جلالة الملك، هذا المكان لا يليق بك»، عندها غادر فاروق ومعه حاشيته.

وفي السجن الذي امضت فيه مائة يوم ويوم، تقود تحية كاريوكا حركات التمرد داخله، وترفع صوتها محتجة على ظروفه غير الانسانية، الى ان يفرج عنها.

وفي تظاهرات الطلبة كانت تقف مؤيدة وتبعث لهم بالسندويشات وتشارك في الهلال الأحمر، وتتابع المسرحيات كما تتابع الرقص ليلاً.

ويبدو انه كانت لها صلة وثيقة وقديمة بالرئيس أنور السادات، فقد كانت تقول ان السادات تخفى، زمن الاستعمار البريطاني لمصر، فترة في منزل شقيقتها، وظل السادات يقيم لمدة سنتين في مزرعة يملكها صهرها. كان الضباط والجنود البريطانيون يبحثون عنه دون ان يعثروا عليه، في حين انه كان يعمل في هذه المزرعة التي كانت تقع بالقرب من معسكراتهم.

وقد روى السادات بنفسه هذه القصة يوماً في مجلس جمعه بعدد من الفنانين المصريين، فقال له فريد شوقي مداعباً: «هم كانوا بيدفعولك كويس يا ريس»؟

 

14 زيجة

تزوجت تحية كاريوكا 14 مرة، أي ضعف عدد زيجات والدها (الذي اختفى فجأة وهي في الثامنة من عمرها) ونفس عدد زيجات المطربة صباح. صباح ايضا تزوجت 14 مرة مثل تحية. والغريب ان كلا منهما تزوج الممثل رشدي أباظة لفترة من الزمن. اما الزواج الذي دام اكثر من سواه في حياة تحية فكان زواجها من السينمائي المصري فايز حلاوة الذي تقول عنه انه سلبها اموالها وكل جني عمرها قبل ان يطلقها.

 

زيارة من مفكر

ويرد اسم مفكر عربي كبير اخر في سيرة تحية كاريوكا، هو الدكتور ادوار سعيد صاحب كتاب «الاستشراق» والاستاذ السابق في جامعة كولومبيا بنيويورك. فقد كتب عنها مقالاً مطولاً في جريدة «الحياة» اللندنية قبل رحيله بسنوات، استذكر فيه السنوات التي عرفها فيها في القاهرة والاسكندرية عندما كان طالبا في كلية الملكة فيكتوريا بالاسكندرية. ومما ورد في مقاله هذا انه سألها مرة عن عدد زيجاتها، فاجابته بإيجاز: «لعنهم الله جميعا! فقد كانوا مجموعة من الأوغاد»!

وقد روت تحية انها بعد ان تزوجت رشدي أباظة بفترة ذهبت بصحبته الى لبنان. «ذهبت يوما لزيارة بعض الاصدقاء، وعندما رجعت الى اللوكندة لم أجده، فذهبت الى الاماكن التي أعرف انه يمكن ان يتواجد فيها، فلقيته في احد ملاهي شارع الحمراء مع ارتيست فرنسية. ومن غير مقدمات، سحبتها من شعرها واديتها علقة ساخنة، وفي نفس الليلة صممت على الطلاق».

 

حنين إلى الماضي

هذه «لقطات» من سيرة فنانة كبيرة يتذكرها جمهورها كما يتذكرها الناس اليوم بحنين الى ماض جميل زال، تماما كما يتذكر اللبنانيون المطربة صباح، والأميركيون مارلين مونرو، فالواقع أن هؤلاء الفنانات الثلاث كن أكثر من فنانات، لقد كن أصحاب تجربة وحياة وجدانية ثرية، ان لم نقل انهن كن من الظواهر الفنية والاجتماعية معاً.

التعليقات

نأمل، عزيزنا القارئ، أن تشاركنا في اقتراحاتك،وتعليقاتك، وأفكارك، ومواضيعك.
سنهتم بكل ما ترسله لنا، وسيحظى باهتمام ادارة التحرير، التي تنشر كل ما هو صالح للنشر.
ونشكر تعاونكم

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.

الرأي

الصلاة

الفجر 04:03 العصر 15:22
الشروق 05:25 المغرب 18:11
الظهر 11:48 العشاء 19:30