الإثنين ، 28 يوليو 2014 - العدد 14786
جريدة كويتية يومية سياسية شاملة
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف

  جدل قانوني في القضاء الفرنسي والألماني والإيطالي والمصري

هل الفاعل المعنوي مسؤول جنائياً عما ارتكبه الفاعل الأصلي؟

يعقوب الصانع
يعقوب الصانع
تم النشر في 2010/04/18

بين نظرية «الفاعل المعنوي» والقصد الاحتمالي ظهرت نظرية الفاعل بواسطة «الفاعل المعنوي» في الفقه الالماني تحت ضغط الضرورات العملية في موضعين: الأول الفكرة الضيقة للفاعل الأصلي، والتي كانت تقتصر على من قام بنفسه مباشرة بتنفيذ الجريمة. والثاني هو التبعية المطلقة للشريك. ووفقاً لهذا المبدأ يرتبط حظ الشريك بحظ الفاعل الأصلي فلا يعاقب الشريك الا اذا كان الفاعل الأصلي مسؤولاً عن الجريمة، فمثلاً اذا قام بالجريمة فاعل غير مسؤول جنائياً لعدم أهليته الجنائية (كالمجنون) أو لعدم توافر القصد الجنائي لديه كان الشريك غير مسؤول جنائياً لا بوصفه فاعلاً لأنه لم يقم بتنفيذ الجريمة ولا بوصفه شريكاً لأن مسؤوليته تتوقف على مسؤولية الفاعل طبقاً لمبدأ التبعية المطلقة. ولعلاج النتائج غير المنطقية التي يؤدي اليها هذا الوضع كان لا بد من الالتجاء في نظرية الفاعل المعنوي الى أحد حلين: الأول، التوسع في فكرة الفاعل الأصلي واعتبار أن كل من سخر شخصاً غير مسؤول جنائياً فاعلاً أصلياً للجريمة، وبهذا الحل أخذ الفقه والقضاء في ألمانيا ونص عليه القانون الايطالي (المادة 11).
الثاني، العدول عن مبدأ التبعية المطلقة للشريك الى مبدأ التبعية المقيدة الذي لا يشترط سوى أن يكون الفعل في حد ذاته غير مشروع بغض النظر عن مدى مسؤولية الفاعل عنه، وهو ما يؤدي الى مساءلة الشريك ولو كان الفاعل المنفذ للجريمة غير مسؤول جنائياً.
الفاعل بالواسطة
وبهذا الحل أخذ الفقه والقضاء في فرنسا، والمقصود بالفاعل بالواسطة كل من سخر شخصاً غير مسؤول جنائياً لتنفيذ الجريمة، وتفترض الجريمة في هذه الحالة وجود فاعلين أحدهما فاعل مادي قام بتنفيذ الجريمة من دون أن تتوافر لديه المسؤولية الجنائية وثانيهما فاعل معنوي قام بتسخير الأول للقيام بهذا التنفيذ واستعمله كأداة لتحقيق هذا الغرض. ويتم هذا التسخير اما بطريق التحريض أو بتقديم المساعدة اليه. وقد عرض الفقه الألماني لعدة صور للفاعل المعنوي، وتتضمن هذه الصور ثلاث حالات:
ــ الأولى، عدم توافر الركن المعنوي لدى الفاعل المادي.
ــ الثانية، مشروعية الفعل الذي ينفذه الفاعل المادي.
ــ الثالثة، انتفاء الصفة الخاصة أو القصد الخاص لدى الفاعل المادي.
أولاً: عدم توافر الركن المعنوي لدى الفاعل المادي ويتحقق ذلك في الصورتين الآتيتين:
1 ــ انتفاء الأهلية الجنائية لدى المنفذ: كالمجنون، والصغير الذي لم يبلغ التمييز، فيعتبر فاعلاً معنوياً وعلى سبيل المثال من يعطي مجنوناً قنبلة لالقائها على المجني عليه، ومن يطلب من صغير لم يبلغ السابعة أن يسرق له مال الغير.
2 ــ انتفاء القصد الجنائي لدى المنفذ:
قد لا تتوافر المسؤولية الجنائية للمنفذ للجريمة العمدية بسبب انتفاء القصد الجنائي لديه، ثم يثبت ان هذا القصد كان متوافرا لدى من حرضه على الفعل الذي وقعت به الجريمة او ساعده على القيام به. مثال ذلك مدير المسرح الذي يسلم الممثل مسدسا به رصاص حقيقي لاستعماله اثناء التمثيل، موهما اياه بان به خرطوشا، مما يؤدي الى قتل بطلة المسرحية، وكذلك من يسلم شخصا زجاجة بها سم لكي يقدمها الى المجني عليه، موهما اياه انها تحتوي على دواء. في هذين المثالين كان الفاعل المادي مجرد اداة بشرية سخرها الفاعل المعنوي لتحقيق قصده الجنائي. واختلف الفقه اذا ما ترتب على انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل المادي مساءلته عن جريمة غير عمدية بسبب توافر الخطأ غير العمدي لديه، هل يسأل الفاعل المعنوي بوصفه شريكا معه في جريمة غير عمدية، وكانت محل بحث لدى الفقه الالماني.
نظرية الأداة البشرية
يرى معظم الفقه الالماني والسويسري انه اذا توافرت هذه الصفة او هذا القصد لدى المنفذ ولو كان اهلا للمسؤولية الجنائية فان الاخير يعتبر بمنزلة اداة بشرية عمدية في يد المحرض الذي يعتبر فاعلا بالواسطة، اي فاعلا معنويا.
وفي رأي العلامة الدكتور أحمد فتحي سرور يقول:
نحن لا نسلم بتطبيق نظرية الفاعل بالواسطة في القانون المصري الحالي بناء على الحجج الآتية:
أولا: انتفاء الفائدة والضرورة القانونية بينما ان نشأة نظرية الفاعل بالواسطة ترجع الى التضييق من فكرة الفاعل الاصلي، والى الاخذ بنظرية الاستعارة المطلقة للشريك وكلا السببين غير متوافر في القانون المصري.
اتجاهات القضاء المصري
اخذت محكمة النقض المصرية في قضاء قديم لها بنظرية الفاعل بالواسطة، فقضت بأنه اذا حصل البلاغ الكاذب بواسطة شخص ما فعل ذلك بإرشاد المتهم، ولم يكن الا آلة، فالمسؤولية الجنائية في ذلك تقع على المتهم الذي هو الفاعل الحقيقي للجريمة.
وقد رفضت محكمة النقض تطبيق نظرية الفاعل بالواسطة على جريمة التزوير التي يرتكبها موظف عمومي حسن النية اذا املاه الغير بسوء نية بيانات كاذبة فكتبها الموظف بحسن نية.
وبهذا تختتم الجزء الاول من دراسة «نية ازهاق الروح» نظرية الفاعل المعنوي وننتقل الى نظرية القصد الاحتمالي. ففي تعريف للقضاء الفرنسي للقصد الاحتمالي محل القصد المباشر انه لا سبيل في القتل العمد الى ان يحل القصد الاحتمالي محل القصد المباشر، بل يتعين ان تتوافر لدى الجاني «نية ازهاق الروح» وتقتضى هذه النية توقع الوفاة فعلا واتجاه الارادة لاحداثها. اما مجرد استطاعة الجاني توقع وفاة المجني عليه ووجوب هذا التوقع عليه فغير كاف لكي يسأل الجاني عن القتل عمدا. ولكن القضاء لم يستقر على هذا الرأي، ففي احكام لاحقة انه لا محل للمسؤولية عن جريمة الاجهاض الا اذا اثبت ان الجاني قد توقع حينما اقدم على فعله حدوث الاجهاض، ثم وجه ارادته الى احداث هذه النتيجة. ويتطلب القضاء الفرنسي في جريمة الحريق العمد ان تكون ارادة الجاني قد اتجهت الى وضع النار في الاشياء المحروقة ويعني ذلك ان القصد الاحتمالي ليست له في رأي القضاء الفرنسي ذات القيمة القانونية التي للقصد المباشر، ولكن فكرة القصد الاحتمالي يعتد بها القضاء الفرنسي كأساس تقوم عليه مسؤولية الجاني عن وفاة من كان موجودا في الاماكن المحرقة وقت اشتعال النار، فنية احداث الوفاة غير متطلبة وانما تكفي ارادة وضع النار، واستطاعة توقع حدوث الوفاة. وفي تقييم فكرة القصد الاحتمالي يقول الفقيه الجنائي الدكتور محمود نجيب حسني: نحن لا نشارك محكمة النقض في تعريفها القصد الاحتمالي بانه «نية ثانوية غير مؤكدة تختلج بها نفس الجاني «ذلك ان اعتبار القصد الاحتمالي نوع من القصد الجنائي، يقوم على ذات العناصر التي تفترضها فكرة القصد الجنائي، ويعادل القصد المباشر من حيث القيمة القانونية يجعل من القصد الاحتمالي إرادة حقيقية أي «نية أصلية».
محكمة النقض
وقد اعتمدت محكمة النقض على نظرية القصد الاحتمالي لتبرير افتراض علم الشريك بزواج من زنى بها، بحيث لا تحمل سلطة الاتهام عبء إثبات هذا العلم، وإنما يلتزم المتهم كي يتخلص من المسؤولية الجنائية بإقامة الدليل على جهله، وعلى ان هذا الجهل يرجع إلى أسباب قهرية لم يكن في استطاعته التغلب عليها فذكرت ان «من يفعل فعلاً جنائياً مع شخص آخر، وكان هذا الشخص في حالة معينة، ولم يتقص عن حالته أو انه استعلم عنه بطريقة غير كافية، فإنه يقبل احتمالياً ارتكاب ذلك الفعل فيما لو كان الشخص المذكور موجوداً فعلاً في الحالة المنصوص عليها بقانون العقوبات، وحينئذ لا يجب على النيابة العامة تقديم الدليل على وجود هذا العلم، بل على من يتمسك بعدم وجوده أن يوضح ويثبت ذلك أي ان يبين مثلاً الظروف الاستثنائية التي أوقعته في خطأ غير ممكن التغلب عليه، وقد أقرت محكمة النقص في هذا الحكم نظرية التصدي الاحتمالي وعبرت عنه «بالقبول احتمالياً» من دون ان يكون مستنداً إلى قصد مباشر، خلافاً لما يذهب إليه الرأي السائد، ولم تكن المحكمة في حاجة إلى الاستعانة بفكرة القصد الاحتمالي، وعبرت عنه «بالقبول احتمالياً» من دون ان يكون مستنداً إلى قصد مباشر خلافاً لما يذهب إليه الرأي السائد، ولم تكن المحكمة في حاجة إلى الاستعانة بفكرة القصد الاحتمالي لكي تصل إلى افتراض علم الشريك بزواج من زنى بها.. إذ ان هذه النتيجة لا تتعلق بالقواعد الموضوعية في القصد الجنائي، وإنما تمس قواعد الإثبات، فتحمل المتهم عبثه بدلاً من النيابة العامة.
وفي ختام هذا البحث نود الإشارة إلى انه لا تلازم بين نظرية الفاعل المعنوي وفكرة القصد الاحتمالي، لكن أحداثاً كثيرة تجعل الباحث الجنائي يبحث في أسباب حدوث تلك الجرائم، ومدى ارتباط الجاني/ الفاعل المادي بعناصر الجريمة، أو هل فعلاً الفاعل المعنوي هو المسؤول جنائياً عما ارتكبه الفاعل الأصلي؟ وفي جانب آخر هل تكفي فكرة القصد الاحتمالي بوجود القصد الجنائي لدى الجاني حين ارتكب الفعل المجرم؟
وهل تكفي العلاقة السببية بين فعل الجاني والنتيجة الإجرامية؟
أسئلة تظل أحياناً، ولكن القضاء الجنائي يرتكن إلى الوجدان واليقين لا الشك والتخمين.

بقلم: المحامي يعقوب الصانع
y-alsane@hotmail.com


جدل قانوني في القضاء المصري

ثارت في مصر مناقشات كثيرة حول فكرة القصد الاحتمالي، وقد كان محور هذه المناقشات الحكم الذي اصدرته محكمة النقض المصرية في 1930/12/25 وخالفت به المذهب الذي يأخذ به الفقه والقضاء في فرنسا ومصر واتجهت فيه الى اقرار نظرية القبول.
فقد قررت المحكمة ان «القصد الاحتمالي يقوم مقام القصد الاصيل في تكوين ركن العمد وهو لا يمكن تعريفه الا بنية ثانوية مؤكدة تختلج بها نفس الجاني الذي يتوقع انه قد يتعدى فعله الغرض المنوي عليه بالذات الى غرض آخر لم ينوه من قبل اصلا، فيمضي مع ذلك في تنفيذ الفعل فيصيب به الغرض غير المقصود، ومظنة وجود تلك النية هي استواء حصول هذه النتيجة وعدم حصولها لديه، والمراد بوضع تعريفه على هذا الوجه ان يعلم انه لا بد فيه من وجود النية على كل حال وان يكون جامعا لكل الصور التي تشتملها تلك النية مانعا من دخول صور اخرى لا نية فيها، داعيا الى الاحتراس من الخلط بين العمد والخطأ.
وقد استخلص بعض الفقهاء عدم جدوى فكرة القصد الاحتمالي ورأوها مجردة من كل قيمة قانونية وقرروا بناء على ذلك ان قواعد السببية تكفي لحسم ما قد تثيره الوقائع من صعوبات والحجة في ذلك «ان الامر لا يعدو ان يكون بحثا في الاساس القانوني للمساءلة عن نتائج فعل ارتكب عمدا» بقصد القتل او المساس بسلامة الجسم، وطبقا لهذا الرأي يكون القصد المباشر هو اساس المسؤولية عن ازهاق الروح التي افضى اليها فعل الجاني، في حين تكون علاقة السببية اساس المسؤولية عن النتائج الاخرى التي افضى اليها، وهذا الرأي يعيبه انه يناقض المبادئ الاساسية في القانون ويقود الى تقرير مسؤولية مادية تأباها روح التشريع الجنائي الحديث، فعلاقة السببية لا تكفي وحدها لقيام المسؤولية الجنائية من اجل نتيجة اجرامية اذ لا تعدو هذه العلاقة ان تكون عنصرا من عناصر الركن المادي للجريمة وهو ركن لا يكفي وحده كي تكتمل للجريمة مقوماتها بل لا بد ان يتوافر الى جانبه الركن المعنوي وصوره، هذا الركن في الجرائم العمدية هو القصد الجنائي.



التعليقات

افادكم الله فقد افدتمونا

افادكم الله فقد افدتمونا ...
الا ان لي استفسار بهذا الخصوص . هل يمكن اعتبار الحدث الذي اتم السابعة ولم يتجاوز الخامسة عشر تحديداً ثلاثة عشر عاماً هل يمكن اعتبارة ظمن الغير مسؤلياً جنائياً ؟
وبالتالي هل يمكن اعتبار الشخص المتواجد وقت الجريمة التي ارتكبها هذا الحدث كفاعل بالواسطة ؟؟؟
ارجوا الافادة للاهمية مع خالص تقديري واحترامي .
المحامي / نشأت

نأمل، عزيزنا القارئ، أن تشاركنا في اقتراحاتك،وتعليقاتك، وأفكارك، ومواضيعك.
سنهتم بكل ما ترسله لنا، وسيحظى باهتمام ادارة التحرير، التي تنشر كل ما هو صالح للنشر.
ونشكر تعاونكم

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.

الصلاة

الفجر 03:35 العصر 15:30
الشروق 05:05 المغرب 18:43
الظهر 11:54 العشاء 20:10