السبت ، 20 ديسمبر 2014 - العدد 14926
جريدة كويتية يومية سياسية شاملة
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف

الشريف المرتضى والمتنبي والمعري

ابو الطيب المنتبي كما تخيله احد الفنانين
ابو الطيب المنتبي كما تخيله احد الفنانين
ابو العلاء المعري
ابو العلاء المعري
تم النشر في 2010/08/26

كنت أبحث في تاريخ العصر العباسي في القرنين الثالث والرابع فوجدت امامي نبوغ شخصيات كانت لها مكانتها وتركت بصمات الى يومنا هذا، وظللت ابحث عن سر العداء من الشريف المرتضى وابو فرج الاصفهاني للمتنبي ولكني لم اخرج بنتيجة.
الشريف المرتضى، هو شقيق الشريف الرضي، لكنه ولد قبله ومات بعده، في كتاب «تاريخ الادب العربي» لكارل بروكلمان الجزء الرابع صفحة 131 عرفه بالتالي (ذو المجدين) علم الهدى (الشريف المرتضى ابو القاسم - هذه كلها مقدمات للسيد علي بن الحسين).
ذلك الرجل الحاد الذكاء الحافظ، ذو سرعة البديهة، لكني هنا سأستعين بكتاب «الاعلام» للزركلي لاقتطف نبذة عن حياة هذا العالم يقول في باب الشين التالي:
الشريف المرتضى (355 ــــ 436 هــ = 966 ــــ 1044م)
علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن ابراهيم، ابو القاسم، من احفاد الحسين بن علي بن أبي طالب: نقيب الطالبيين، واحد الائمة في علم الكلام والادب والشعر، يقول بالاعتزال، مولده ووفاته في بغداد، له تصانيف كثيرة، منها «الغرر والدرر ــــ ط»، يعرف بأمالي المرتضى، و«الشهاب في الشيب والشباب ــــ ط»و «الشافي في الامامة ـ ط» و«تنزيه الأنبياء ــــ ط»، و«الانتصار ــــ ط»، فقه، و«المسائل الناصرية ــــ ط» فقه، و«تفسير القصيدة المذهبة ــــ ط» شرح قصيدة للسيد الحميري، و«انقاذ البشر من الجبر والقدر ــــ ط» و«الرسائل ــــ ط»، و«طيف الخيال ــــ ط»، و «مقدمة في الاصول الاعتقادية ـ ط» ورقتان، و«أوصاف البروق»، و«ديوان شعر ــــ ط»، يقال «ان فيه عشرين الف بيت. وكثير من مترجميه يرون انه هو جامع «نهج البلاغة ــــ ط» لا اخوه الشريف الرضي.
ويمكن الاطلاع على نبذة من حياته في كتاب «معجم المطبوعات العربية» ليوسف اليان سركيس (الجزء الأول صفحة 1123)، وفي «دمية القصر» للياخرزي، «اليتيمة للثعالبي» و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي و«لسان الميزان» لابن حجر، و«وفيات الاعيان» لابن خلكان و«شذرات الذهب» لابن العماد.
هذه ابرز المراجع التي نقل عنها تاريخ الشريف الرضي والمرتضى.
نعود الى قصة كره الشريف المرتضى للمتنبي، يجب ان نعلم ان المتنبي له محبون وكارهون، ومن الشيء العجيب ان ابو الفرج الاصفهاني علي بن حسين من الكارهين والمبغضين للمتنبي، ايضا كان ابو الفرج قد توجه الى حلب وهناك جالس الشعراء والادباء في بلاط سيف الدولة الحمداني، ومع ذلك الف كتابه الكبير «الاغاني» وبحث عن الادباء والشعراء الذين في بلاط سيف الدولة، لكنه لم يأت على المتنبي لا من قريب ولا من بعيد في كتابه «الاغاني»، علما بان في الفترة التي ولد فيها الشريف المرتضى توفي المتنبي، وكان المعري قد ولد قبل وفاة المتنبي، وقد اجتمع بابن جني شارح ديوان المتنبي وتشبع منه في حب المتنبي.
المعري لم تكفه المعرفة والعلم اللذان اخذهما من بلاد الشام، لما كانت بغداد حاضرة العالم الاسلامي وموئل العلم والمعرفة، ولهذا يتوجه الى الكثير من بلاد العروبة والاسلام للاستزادة بذلك، ومن هؤلاء المعري، غادر المعرة الى بغداد.
كان شعراء بغداد ينشدون قصائدهم في مسجد المنصور، وكان أبو العلاء يحْضر هذه المجالس الشعرية، ولعله كان ينشد أشعاره فيها، وكان يحضر مجلس الشريف المرتضى، وكانت الصلة بينه وبين هذه الاسرة متينة قوية، حتى رثى أبا أحمد: والد الشريفين الرضى والمرتضى، حيث مات في جمادي الأولى سنة اربع مئة، ولكنه حضر مجلس المرتضى بعد ذلك فجرى ذكر المتنبي، وكان المرتضى يكرهه ويتعصب عليه، وكان أبو العلاء يحبه ويرى أنه أشعر المحدثين. ويفضله على بشار ومن بعده ابو نواس، وأخذ المعري يستهين ويقلل من قيمة بشار وابي نواس ويمدح المتنبي ويثني عليه على أنه شاعر العروبة الاول، ويقول في هذا المجلس إذا ذكر أي شاعر ذكر باسمه الا المتنبي فيقول «قال الشاعر»، وهنا سأل المرتضى المعري من تقصد؟ قال الشاعر وغيره نذكرهم باسمائهم هل تقصد المتنبي؟ وأخذ الشريف المرتضى يتتبع عيوب المتنبي وما يقوله الحاتمي والصاحب بن عباد والعميدي الذين يشنون حملة على المتنبي.
وعندها انبرى هذا الكفيف الأعمى ولم يبال ابن هويل شغلته النخوة فقال: لو لم يكن للمتنبي من الشعر الا قوله:
«لك يا منازل في القلوب منازل
أقفرت أنت وهن منك أواهل»
هنا ثارت ثائرة الشريف المرتضى، وأخذ يسب المتنبي ويشتمه ويغسل اشراعه، كما يقولون. والتفت الى الجالسين من المرافقين له وهو في حالة غضب وقال: اخرجوا هذا الاعمى من عراقيبه، فسحب من رجله الى الشارع، وهناك رمي خارج الرواق (الديوان). وهنا توقف الجميع برهة والتفت اليهم السيد الشريف المرتضى وقال للحاضرين «اتدرون لم اختار هذا الاعمى هذه القصيدة دون غيرها؟»، فقالوا «السيد اعلم نحن لا ندري»، فقال لهم «انه عرض بي بقوله في بيت في صلب هذه القصيدة يقول:
«واذا اتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل»
فهو في هذا البيت يقصدني بذلك».
وهنا كيف كانت سرعة البديهة عند المعري عندما ابتدأ الشريف يتكلم عن المتنبي ويبغضه وكيف استحضر هذه القصيدة وهو يعرف هذا البيت، وكيف أن الشريف استطاع بذكائه السريع عندما سمع البيت الأول وكأنه كمبيوتر أن يستعرض ويستذكر القصيدة ويعرج على ذلك البيت.
فهو في هذه الحالة يوصفني بأني ناقص وأن المتنبي هو الكامل والرجل في ضيافتي ومنزلي ولم يستح مني ولا من الضيافة، لهذا يستحق جزاءه بالطرد، بعدها غادر المعري بغداد وفي الطريق سمع نعي والدته اسوة بالمتنبي الذي نعى جدته وهو بالطريق عائداً الى الكوفة.
وهنا يسرنا أن نستعرض هذه القصيدة التي استذكرها المعري والمرتضى ولله در الاثنين بذكائهما وحفظهما، تقول القصيدة:
«لك يا منازل في القلوب منازل
أقفرت أنت وهن منك أواهل
يعلمن ذاك وما علمت وانما
أولاكما يبكى عليه العاقل
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتل
تخول الديار من الظباء وعنده
من كل تابعة خيال خاذل
أللاء آفتكها الجبان بمهجتي
وأحبها قرباً اليّ الباخل
الراميات لنا وهن نوافر
والخاتلات لنا وهنّ غوافل
كافأننا عن شبههنّ من المهى
فلهنّ في غير التراب حبائل
من طاعني ثغر الرجال جآذر
ومن الرماح دمالج وخلاخل
ولذا اسم أغطية العيون جفونها
من أنها عمل السيوف عوامل
كم وقفة سجرتك شوقاً بعد ما
غري الرقيب بنا ولجّ العاذل
دون التعانق ناحلين كشكلتي
نصب أدقهما وضم الشاكل
انعم ولذّ فللأمور أواخر
أبداً اذا كانت لهن أوائل
ما دمت من أرب الحسان فإنما
روق الشباب عليك ظل زائل
للهو آونة تمرّ كأنها
قبل يزودها حبيب راحل
جمح الزمان فلا لذيذ خالص
مما يشوب ولا سرور كامل
حتى أبوالفضل ابن عبدالله
رؤيته المنى وهي المقام الهائل
ممطورة طرقي اليها دونها
من جوده في كل فج وابل»
محجوبة بسرادق من هيبة
تثني الأزمّة والمطيّ ذوامل
للشمس فيه وللسحاب وللبحا
ر وللأسود وللرياح شمائل
ولديه ملعقيان والأدب المفا
د وملحياة وملممات مناهل
لو لم يهب لجب الوفود حواله
لسرى اليه قطا الفلاة الناهل
يدري بما بك قبل تظهره له
من ذهنه ويجيب قبل تسائل
وتراه معترضا لها وموليا
احداقنا وتحار حين يقابل
كلماته قضب وهن فواصل
كل الضرائب تحتهن مفاصل
هزمت مكارمه المكارم كلها
حتى كأن المكرمات قنابل
وقتلن دفرا والدهيم فما ترى
ام الدهيم وام دفر ثاكل
علّامة العلماء واللج الذي
لا ينتهي ولكل لج ساحل
لو طاب مولد كل حي مثله
ولد النساء وما لهن قوابل
لو بان بالكرم الجنين ببانه
لدرت به ذكر أم أنثى الحامل
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا
هيهات تكتم في الظلام مشاعل
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم
شيم على الحسب الاغر دلائل
متشابهو ورع النفوس كبيرهم
وصغيرهم عف الإزار حلاحل
يا افخر فإن الناس فيك ثلاثة
مستعظم او حاسد او جاهل
ولقد علوت فما تبالي بعد ما
عرفوا ايحمد ام يذم القائل
اثني عليك ولو تشاء لقلت لي
قصرت فالإمساك عني نائل
لا تجسر الفصحاء تنشد ههنا
بيتا ولكني الهزبر الباسل
ما نال أهل الجاهلية كلهم
شعري ولو سمعت بسحري بابل
وإذا اتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل
من لي بفهم أهيل عصر يدعي
ان يحسب الهندي فيهم باقل
وأما وحقك وهو غاية مقسم
للحق أنت وما سواك الباطل
ألطيب أنت اذا اصابك طيبة
والماء انت اذا اغتسلت الغاسل
ما دار في الحنك اللسان وقلبت
قلما بأحسن من ثناك أنامل

اما في هذه الملاحظات التي ذكرتها فأجدني واقفا عند نقطة مهمة وهي اما هي الاسباب في كره الشريف المرتضى للمتنبي وسبب عدم ذكر ابو الفرج الاصفهاني للمتنبي في كتابه كذلك؟
لهذا اضع هذه القصة امام القراء الكرام علهم أعلم ويجدون الجواب لذلك.


التعليقات

نأمل، عزيزنا القارئ، أن تشاركنا في اقتراحاتك،وتعليقاتك، وأفكارك، ومواضيعك.
سنهتم بكل ما ترسله لنا، وسيحظى باهتمام ادارة التحرير، التي تنشر كل ما هو صالح للنشر.
ونشكر تعاونكم

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.

[Alt-Text]

الصلاة

الفجر 05:13 العصر 14:35
الشروق 06:38 المغرب 16:53
الظهر 11:45 العشاء 18:16