ماذا لو كان «بروزاك» أو أي من أشقائه (أدوية مضادة للاكتئاب) متوافرا في القرن التاسع عشر أو قبله؟ هل كنا سندري عن عظماء الفن والشعر والأدب ونقرأ لهم ساهمين سارحين بدنيا الخيال والألم؟ ماذا لو وصف المعالج النفسي وصفة «بروزاك» لـ«فان كوخ» هل كان سيرسم لنا لوحة حذاء الفلاحة، وماذا لو ابتلع «بودلير» حبتين منه كل يوم هل كان سيشدو لنا بقصيدة «أزهار الشر»، ماذا عن شيلي لو فعل مثله هل كنا سنقرأ بعثه من جديد لأسطورة بروميثوس، وهل كان سيترجمها الراحل العملاق لويس عوض بعنوان «بروميثوس طليقا»؟..ماذا عن رامبو أو بايرون مع روايته «الدون جوان» أو كيتس وهو الذي انتحر صغيرا.. ماذا لو توافر لكل هؤلاء النجوم «بروزاك» هل كانوا سيقدمون للإنسانية ذلك الفن الراقي.. وماذا عن موزارت أو بيتهوفن أو باخ.. هل كان سيحفر التاريخ روائع سيمفونياتهم لو انهم التهموا ذلك الدواء؟
ايضا.. لو كان شكسبير يدري عن «بروزاك» هل كانت ستنتهي مأساة «هاملت» بمثل ما انتهت؟
مالنا وأهل الغرب.. ماذا عن رهين المحبسين ابو العلاء المعري هل كان سيتساءل بوجودية ملهمة «صاح هذه قبورنا تملأ الرحب... فأين القبور من عهد عاد»، وبعد المعري باكثر من الف سنة وجدنا «معريا» آخر اميركي الجنسية توفي قبل بضعة ايام هو الروائي «سالنجر» كاتب رواية «الحارس في حقل الشوفان» وقد حبس نفسه بداره في ولاية نيوهامشير الجميلة لأكثر من خمسين عاما.. لم يقابل احدا.. ولم يكن يريد ان يكتب لأحد غير لذاته..! مسكين.. لربما ظن انه لو خرج بعد كل تلك السنين الطوال فسيجد نفسه في كابوس الكويت مع نواب «هيا بنا نمرح» وحكومة «هيا بنا نخطط»...!!
لنترك هؤلاء.. ماذا عن فهد العسكر، لم يجد «بروزاك» فتناهبت به كبد الظنون وانشد «وطني وما اقسى الحياة.. به على الحر الامين».. ومثل هذا ينطبق على صقر الشبيب وغيرهما.
ماذا يقول لنا الطبيب النفسي «بيتر كارمن» في كتابه الجديد «ضد الاكتئاب» وهذه ترجمتي له.. فهو ينفي معاناتهم لو توافر لهم العلاج النفسي الصحيح مع مضادات الاكتئاب..! لكن هل كانوا سيقدمون لنا تلك الروائع الخالدة..؟ إجابته بالتأكيد.. نعم مائة مرة.. وربما قدموا لنا أفضل مما قدموه.. وهذا مالم افهمه منه ابدا.. ضرب لنا الامثلة العديدة عن كتاب وعلماء وفلاسفة مثل هيغل وقبله شكسبير ومعهم كثيرون لم يعانوا من الاكتئاب وقدموا اعظم الاعمال.. اذن.. عند المؤلف الاكتئاب لم يكن سببا لعبقريتهم.. بل ربما كان حجر عثرة في طريقهم استطاعوا تخطيه رغم علتهم الكبيرة.. الاكتئاب هو تخبط أو فوضى في النظام العقلي mood disorder صاحبه لا يستطيع ان يتوافق مع الواقع.. عيونه ساهمة.. رأسه معلق على يده، يذكرني ببيت قصيدة غنائية غناها عبدالله الفضالة للشاعر عبد المحسن الرفاعي «على خدي احط ايدي واحاسب روحي بروحي.. وأقول بيدي جرحت ايدي وزدت جروحي بنوحي». المكتئب يرى الدنيا مقلوبة رأسا على عقب.. فالعالم ظالم.. وغير عادل.. ولا معنى لهذه الحياة.. نولد فيها من دون ارادتنا ونموت راحلين للمجهول.. المكتئب به رغبة عارمة وعاطفة جياشة لإصلاح العالم الفاسد.. عالم العبث هذا.. عالم البير كامو في رواية «الغريب» وجان بول سارتر في «الجدار»، هو عالم المرارة لفيلسوف الوجودية الدانمركي «كيركجارد». المكتئب يشعر بالمرارة الدائمة، أحاسيسه هشة.. تجرح لأبسط سبب.. ليس للمكتئب مرونة مع الدنيا.. والمرونه مع «عبث» الحياة هو الرضاء بحلوها ومرها.. ولا بد للحلاوة ان تعقبها المرارة.. وهكذا جدلية الوجود لهيغل؟؟ الاكتئاب غير الحزن.. الاخير امر عارض كفقدان قريب أو صديق أو زيجة فاشلة.. لا يستمر طويلا.. فاذا امتد الزمن بالحزن أصبح اكتئابا.. الاكتئاب غير الغضب.. فالغضب لا يعمر طويلا مهما انتهى في مأساة مروعة مثل غضب «اخيل» الجنوني وهو ينتظر «هكتور» لمبارزته وقتله انتقاما لابن عمه.. من عوارض الاكتئاب الهوس بالتدخين وشرب الخمر لدرجة الادمان.. فهنا نهرب من الواقع.. نشرد من مسيرة الملل الطويلة، نهرول لعوالم اخرى.. نسافر من دون تذاكر ومن غير طائرات.. نركب على ظهور الوهم والسرحان في ليل قصير.. كي تصحو في اليوم التالي مع الواقع الكريه وتعدل من مقولة «ديكارت» انا افكر اذاً انا موجود وتقول بدلا منها «أنا مكتئب اذاً أنا في الكويت».. فأهلا بشهر فبراير.. وأهلا بالدهر الكويتي المقلوب.
حسن العيسى