ما أبعد الشبه بين اليوم والبارحة!.. بالأمس في عقدي الستينات والسبعينات، حيث كان تيار القوى الوطنية تقوده عناصر خيّرة يملأ ضمائرها حب الوطن ويعمر قلوبها الإيمان الصادق بالعمل على مصلحته، متعالين فوق خطوط الانتماءات، نظرتهم للمواطنين على أنهم سواسية في الحقوق والواجبات لا يفرق بينهم في هذا اختلاف المعتقدات والمذاهب ولا يقربهم أو يبعدهم عنه حجم مسماهم الاجتماعي.. كانت عناصر قد تربت على خلق انكار الذات، وبالتالي لم تكن تتطلع إلى شهرة ولا تطمح إلى منصب.. ولا تخطط لمصلحتها الحزبية او تعمل من أجل زيادة رصيدها الانتخابي!.. كانت الكويت تشق طريقها بثبات نحو الريادة والمجد بفضل سواعدهم.. فبنت وعمّرت وصنعت دولة بامتياز مع مرتبة الشرف.
لم يكن أحمد الخطيب يتطلع إلى الزعامة أو إلى رئاسة المجلس فيدوس على كل الاعتبارات من أجل هذه الغاية!.. ولم يكن جاسم القطامي انتهازيا يتقلب بين القوى والتيارات السياسية من أجل زيادة رصيده الانتخابي، متخطيا بذلك كل الاعتبارات الأخلاقية!.. ولم يكن سامي المنيس يقبل أن يساوم على رسالته الوطنية من أجل حفنة خدمات تقدمها له الحكومة!.. ولم يكن عبدالعزيز الصقر متمسكا بمنصب الرئاسة أمام مبدئه.. وكذلك جاسم الصقر وسليمان المطوع وعبدالرزاق الخالد وحمود الزيد وحمود النصف وعبدالعزيز الخالد وراشد التوحيد وراشد الفرحان، ولم يكن فلاح الحجرف وعبدالله اللافي ومحمد الوسمي ومرضي الاذينة وغانم الدبوس وخليفة الجري يتحدثون باللغة القبلية رغم أنهم أبناء قبائل فاضلة وكريمة، إلا أن شعورهم بالمسؤولية تجاه وطنهم وأمتهم، فإنهم كانوا يتحدثون باسم الأمة.. ولم يكن سيد عابد الموسوي ولا جوهر حيات ولا إبراهيم خريبط ولا الأخوان الكاظمي يتحدثون باللغة الطائفية رغم أنهم أبناء طائفة كريمة وفاضلة.. بل كان شعارهم الكويت ويمثلون الأمة بأسرها.
القصد أن الكويت لم تكن لتفقد بريقها لو أن رسالة اولئك الرجال ما زالت بالحفظ والصون وبأيدٍ أمينة.. بل لكانت اليوم ليس فقط عروس الخليج كما كان يطلق عليها آنذاك، بل لأصبحت هي الدولة النموذج في الشرق الأوسط من دون منازع.. ولم لا..؟ ألا تملك كل مستلزمات التنمية؟!.. المادة متوافرة بحمد الله، وشعب، رغم تواضع عدده، فانه يتمتع بجودة عالية من التعليم.. بناه كاملة على كل المستويات.
لكن، للأسف، حين بدأ البعض في مراكز النفوذ بالسلطة يضع الحواجز ويقسم المجتمع إلى ملل ونحل وطوائف وقبائل، مستخدما في ذلك كل إمكانية الدولة من سلطة ومال ووظيفة بغرض تنفيذ أجندة خاصة به.. أصبح البلد على هذا النحو الذي عليه اليوم، من تباعد بين أبنائه وتفاخر بالانتماء الاجتماعي والمذهبي، وتبدل الشعور من الانتماء للدولة ونظامها وقوانينها إلى الانتماء لدولتي القبيلة والطائفة! وسادت ثقافة التخوين وتوجهت سهام الحرب نحو الشرفاء الى الدرجة التي اصبح فيها القبول بتحمل مسؤولية العمل العام مغامرة غير مأمونة العواقب!
إنها مفارقة عجيبة تستحق التوقف عندها.
سعود السمكه