إعداد: إيمان عطية
أصاب طلب شركة دبي العالمية المملوكة لحكومة امارة دبي، التى طورت بعض أكثر المشروعات العقارية بذخا في العالم، من دائنيها مهلة ستة أشهر لدفع ديونها، المستثمرين بالصدمة والذهول. اذ أثارت هذه الخطوة مخاوف من امكانية تعثر دبي، المركز التجاري في منطقة الشرق الأوسط، عن سداد ديونها، في وقت بدأت تظهر فيه مؤشرات مبكرة على التعافي الاقتصادي فيها.
وكانت دبي ركبت، في أثناء فترة الرواج والازدهار، موجة الائتمان السهل لتخلق ظاهرة في النمو الاقتصادي، لكنها تضررت بشدة من أزمة الائتمان العالمية.
وقد أثارت خطوة دبي المفاجئة غضب بعض المستثمرين الذين عمل مسؤولون محليون على طمأنتهم على مدى أشهر بأن المدينة ستوفي بجميع التزاماتها ودفع ديونها الاجمالية التى تبلغ 80 مليار دولار على الرغم من الركود الاقتصادي والانهيار في القطاع العقاري. فكما يقول روب ويشيلو من بنك بي ان باريبا «يري المستثمرون فيها أنباء سيئة ومثيرة للصدمة».
فبعد ساعتين على اعلان نبأ جمع 5 مليارات دولار من مصرفين في أبوظبي، ناشدت الدائرة المالية دائنيها بمنحها فترة سماح وتأجيل لدفع الديون المستحقة على شركة دبي العالمية، حتى شهر مايو من العام المقبل. مشيرة الى أن طلب التأجيل ينطبق أيضا على شركة نخيل العقارية المتعثرة التابعة لها، التى يستحق عليها سداد سندات اسلامية بقيمة 4 مليارات دولار في 14 ديسمبر.
نخيل تترنح
ودفعت الأزمة شركة نخيل العقارية، التى طورت جزر النخيل والتى تتباهي بوجود ملاك من المشاهير كلاعب كرة القدم الانكليزية ديفيد بيكهام، الى فصل آلاف الموظفين وافلاس المتعهدين مع تراجع أسعار العقار الى النصف وجفاف قنوات الائتمان.
وقد اضطرت الشركة الحكومية، في دليل آخر على الافراط والمغالاة اللذين اعتمدتهما الشركة قبل الأزمة، الى الغاء خطط ترمي الى بناء أطول برج في العالم ومجموعة من الجزر المستصلحة، بعد أن ترك انهيار تدفق السيولة الشركة على حافة الافلاس.
وقد جاء اعلان الحكومة عن طلب التأجيل بعد اغلاق سوق الأسهم المحلية وعشية حلول عيد الأضحي حيث تعطل الدوائر ومؤسسات الحكومة حتى تاريخ 6 ديسمبر.
وكما يقول ايكارت ورتز، الخبير الاقتصادي لدى مركز الخليج للابحاث في دبي «ان ما حدث سيدمر الثقة في دبي، ان العملية برمتها مبهمة وغير منصفة للمستثمرين».
وذكر متحدث باسم الدائرة المالية ان الحكومة تعتزم الطلب من جميع حملة السندات تمديد استحقاق السداد حتى مايو المقبل. لكن، وبحسب الحكومة فانه لم يتخذ قرار بعد بشأن كيفية التعاطي مع المستثمرين الذين سيصرون على السداد في الموعد المستحق في ديسمبر.
وقد ظهر حجم العجز الهائل في مشكلة ديون عالم دبي والبالغ 22 مليار دولار منذ سنة. لكن مستوى الدعم الحكومي خيمت عليه السياسة وغياب الوضوح بشأن حجم الاموال التي يمكن ان تجمعها من الاسواق العالمية وابوظبي.
وقد تفاعلت اسواق السندات بحدة مع الانباء وطلب المستثمرون برفع العلاوة على امتلاك ديون المنطقة. ففي تعاملات لندن، بلغت التكلفة حوالي 460 الف دولار سنويا فوق السنوات الخمس لتأمين ما قيمته 10ملايين دولار من ديون حكومة دبي ضد التخلف عن السداد، مقارنة مع 360 الف دولار في تعاملات يوم الثلاثاء. كما ارتفعت الاسعار لجارتها ابوظبي الى 157الف دولار من 100الف دولار يوم الثلاثاء. حتى قطر التي باعت اخيرا سندات بقيمة 7 مليارات دولار، وهو اكبر طرح من نوعه لسوق ناشئة، ارتفعت قيمة التأمين ضد التخلف عن السداد الى 15الف دولار مقابل 108الآلف دولار.
خفض التصنيفات
وسارعت وكالتا التصنيف الائتماني ستاندراد آند بورز وموديز الى خفض تصنيف جميع الشركات الست التابعة للحكومة في دبي في اعقاب الانباء الواردة بشأن تأجيل السداد مع وضعها تحت المراجعة لاحتمال خفض جديد.
وقد خفض تصنيف موديز لبعض المؤسسات الحكومية الى درجة التعثر، فيما خفضت ستاندارد آند بورز بعض المؤسسات الى تصنيف اعلى بدرجة واحدة فقط عن التعثر.
دورة تجديد
و قبل ستمائة عام، قال عالم الاجتماع العربي البارز ابن خلدون ان قبائل الصحراء ستحل دوما محل النخب الحضرية في دورة تجديد لا ترحم.
مثال عصري على هذه النظرية وقع الاسبوع الماضي في منتدى الاقتصاد العالمي عندما اطيح فجأة بعمر بن سليمان، الذي يتولى ومنذ فترة طويلة منصب مدير عام سلطة مركز دبي المالي العالمي، نبأ اقالة بن سليمان من منصبه اعلن في بيان صحفي مقتضب بينما كان الشيخ حمد بن محمد آل مكتوم، ولي عهد الامارة يوجه خطابا للمنتدى وسواء كان ما حدث عادلا ام لا، فان جزءا كبيرا من نخبة دبي يتم تقديمهم قرابين للتكفير عن الهدر الذي رافق فترة النمو المتهور والذي انقلب الى اخفاق.
وفي خطوة ذات رمزية اهم من اعفاء بن سليمان من منصبه، ترك محمد القرقاوي، الرئيس التنفيذي لمجموعة دبي القابضة وسلطان بن سليمان الذي يرأس عالم دبي المثقلة بالدين ومحمد العبار، رئيس شركة اعمار العقارية الاسبوع الماضي مجلس ادارة مؤسسة دبي للاستثمار، وهي شركة حكومية قابضة يقودها محمد الشيباني الذي يزداد نفوذه في ديوان حاكم دبي.
وتقول مصادر على معرفة بواقع الامور، ان الاستقالات يجب ان تساعد في تهدئة مخاوف الممولين في الاوساط المصرفية في دبي واعضاء الحكومة في ابوظبي الذي نادى بعضهم باجراء تغييرات من اعلى.
وعين ديوان الحاكم مسؤولين جددا في مؤسسة دبي للاستثمار وصندوق الدعم المالي وهو الجهاز الذي يشرف على برنامج انقاذ قوامه 20 مليار دولار للشركات المتعثرة.
لكن ازاحة بن سليمان، الذي ساهم في وضع دبي على خارطة المال العالمية، اثارت استغراب الكثيرين فهي تعكس تجربة الاقصاء العلني لناصر الشيخ رئيس الدائرة المالية في ابريل.
قادة شباب
فالاثنان كانا من قادة دبي الشباب البارزين اللذين تصديا لمعالجة دين الامارة البالغ 80 مليار دولار، وساعدا في فبراير في الحصول على قرض بقيمة 10 مليارات دولار من بنك الامارات المركزي.
ويقول البعض ان بن سليمان، هو آخر ضحايا الصراع السياسي الذي شهد زيادة في نفوذ وصلاحيات القوى في ديوان الحاكم، ووفقا لما تقوله مصادر فان القرقاوي الذي كان وزيرا لشؤون مجلس الوزراء فقد الكثير من نفوذه وعلى ما يبدو ان بن سليمان لحق به.
وتأتي عملية الاعفاء الاخيرة في اطار تحقيقات حكومية لمراجعة حسابات تتعلق بمكافآت مفرطة وسوء التصرف المالي أفضت الى الكشف عن مخالفات في مختلف الشركات العقارية ذات الصلة بالحكومة. وصحيح ان الحاكم هو من عين هؤلاء المسؤولين لتحويل رؤيته بشأن تفوق دبي ونقلها الى العالمية الى واقع، وهو ايضا من شجع على خلق بيئة تنافسية ساعدت على بناء سريع لبنية تحتية تأمل المدينة في ان تساهم حاليا في تحقيق انتعاش اقتصادي.
كما غذت تلك المنافسات الاسراف والافراط. فــ«سادة الكون» في دبي تجاهلوا الاستدامة وزادوا من حجم المشاريع الضخمة من أجل المزايدة على خطط الزملاء.
لكن التجار الذين ساعدوا حكام الامارة على تحويل قرية الصيد النائمة الى مركز للتجارة الاقليمية اقترحوا وبهدوء الحاجة الى التدوير. لذلك فانه من غير المستغرب ان يحل محل بن سليمان، احد الداعين الى ضرورة العودة الى نهج اكثر تحفظا وهو احمد الطاير، مساعد مالي قديم وينتمي الى واحدة من العائلات المتنفذة في الامارة.
عودة إلى النهج التقليدي
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما اذا كان النهج التقليدي سينجح مع مركز دبي المالي. فبن سليمان نجح في انعاش المركز بعد ولادته العسيرة في 2004 وسط فضيحة تتعلق باستقلاليته التنطيمية. اذ جعل المزيج الذي قدمه من حماسة المبيعات وتعزيز الثقافة والتعليم من المركز حجر الزاوية للنمو في الامارة، بحيث يمكنها من الصمود في وجه العواصف العالمية بصورة جيدة.
كما ان المركز لا يزال يواجه تحديات. فالعديد من المسؤولين التنفيذيين اصبحوا عاطلين عن العمل نتيجة التباطؤ الاقتصادي، مما دفع المازحين الى اعادة تسميته «بلاط دبي العالمي للمواد الغذائية». كما يلوح في الافق امكان تجدد المنافسة من ابوظبي وقطر اللتين تتملكهما طموحاتهما المالية الخاصة. لكن التنافس على المركز المالي الاقليمي هو السباق الذي ربما يفلت من يدي دبي.
فايننشال تايمز
أرقام الديون
80 مليار دولار اجمالي ديون الامارة
59 مليار دولار التزامات مجموعة دبي العالمية
3,5 مليارات دولار صكوك على «نخيل» تستحق في 14 ديسمبر
980 مليون دولار سندات على «نخيل» تستحق في 13 مايو
1,2 مليار دولار سندات «ليمتلس» تستحق 31 مارس