في خطوة تدل على مدى التقهقر الفكري الذي أحاط بعمل الجامعة العربية في القاهرة ، أحال الأمين العام للجامعة عمرو موسى، الشاعرة والدبلوماسية الإماراتية ظبية خميس، إلى التحقيق بعد كتابتها مقالا، اشادت فيه بكتاب جديد عنوانه «جامعة الدول العربية، ماذا بقي منها» للدبلوماسية السورية، والوزيرة المفوضة السابقة بالجامعة العربية كوكب الريس، وانتقادها للامين العام للجامعة وطريقة ادارته للجامعة ..هنا استعراض لتلك القضية كما جرت فصولها أخيرا:
الوقائع: صرخة موجعة
1- عرضتْ ظبية خميس (الشاعرة والسفيرة الاماراتية في جامعة الدول العربية)كتاباً بعنوان «جامعة الدول العربية، ماذا بقي منها؟» لكوكب الريس صدر عن دار رياض نجيب الريس في بيروت عام 2009، شرحتْ، أي كوكب، معاناتها الوظيفية التي عاشتها في الأمانة العامة للمنظمة، «ويعيشها الكثير من موظفي الجامعة العربية ممن لا يوافق هوى إدارتها» وهي التي التحقتْ بالعمل بها منذ عام 1981حين انتقالها، أي المنظمة الى تونس، وتقاعدتْ عام 2009، وأشارتْ إلى دور الأمين العام لهذه المؤسسة الذي يدور في فلك الخارجية المصرية، ولم تُعقد قمة عربية واحدة بزمن المصري عصمت عبد المجيد (1991-2001)، واستعرضتْ بعض قضايا القمم العربية بزمن عمرو موسى «وما انتابها من قصور أو تهميش»، ونقلتْ كوكب بعض الأقوال الصادرة عن الأمين العام بتوصيف الكوادر العربية بتنابلة السلطان «أو بالضعف كماً وكيفاً»، وفي استعراضها الكتاب اعتبرته، أي الكتاب، ظبية خميس، التي التحقت بالعمل بالجامعة منذ عام 1992، وما زالتْ، اعتبرت الكتاب «وثيقة حية.. وكتابا ذكيا.. وصرخة موجعة.. ضد الانهيار الداخلي للمؤسسة.. وإشارة تنبيه حمراء لاستعادة مصداقية الجامعة الإدارية والسياسية»، وفق تعبير ظبية خميس. التي نشرت ذلك الاستعراض على الانترنت.
لجنة مساءلة
2- أصدر السيّد عمرو موسى، بوصفه الأمين العام، قراره بإحالة ظبية خميس إلى لجنة مساءلة، ثم إحالتها إلى لجنة تحقيق، وتحدد يوم الخميس 29/10/2009 موعداً لسماع الأقوال، بتهمة كتابة مقدمة لكتاب وأخرى بتهمة التعليق على كتاب، ورأت ظبية خميس في القرارين التباساً، وأثناء استجوابها قالت: إن هذا التحقيق «ليس له أي سند قانوني أو موضوعي»، وأنها قدمت احتجاجا رسميا لمراجعها الوظيفية، ومن بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية، تتساءل فيه عن دوافع هذا التحقيق، وتمسكت فيه بصفتها كاتبة وأديبة، وتقول فيه «بصفتي كاتبة ودبلوماسية أنظر إلى مثل هذه القرارات كشكل من أشكال استخدام سلطتكم السياسية والإدارية لإرهابي فكرياً ووظيفياً»، وطرح المبدعون والمثقفون قضية تتلخص بسؤال : هل من المنطقي أن تُحاسب شاعرة وكاتبة ودبلوماسية لها قيمتها وتاريخها لأنها تمارس الكتابة ؟ وفي هذا الإطار أصدر عمرو موسى قرارا بإزاحة السفيرة والوزيرة المفوضة ظبية خميس من منصبها كمديرة إدارة البعثات ومراكز الجام عة العربية بالخارج وإلحاقها بأرشيف إدارة الأفراد بعد فشل لجنة للتحقيق بإدانتها وظيفيا بسبب مقالتها المنشورة تلك، و صدر القرار أثناء بداية الإجازة الاعتيادية لصاحبة الشأن ولم يتم تسليمه لها، وهو يعتبر إضرارا بمصلحة الموظف وانتقاصا منه، وفق بنود النظام الأساسي بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، حسب بعض الآراء الصحفية. وتفاعلتْ ردود الفعل في الوسط الثقافي والإعلامي العربي ضد السيّد عمرو موسى على شبكات الانترنت والصحف العربية بانتقادات بسبب إساءة المعاملة لعدد من الدبلوماسيين العرب العاملين بالمنظمة. (قرار رقم 5639 تاريخ 8/10/2009، وقرار رقم 173/1 تاريخ 20/10/2009، لم أقرأهما لعدم توافرهما لديّ)
ورأى البعض في القرارين تجسيداً لعدم احترامنا للاختلاف وللرأي الآخر ربما يكون مفاجئاً لنا جميعاً لو أن الجامعة ناقشت الكاتبة، ودعتها إلى ندوة لقراءة كتاب كوكب الريس، وفتحت حواراً موسعاً حول دور الجامعة، وما يدور فيها، من أجل بيان الحقيقة.
لاحظوا أن الجامعة فتحت تحقيقاً مع الكاتبة، من حيث هي يجب أن تفتح تحقيقاً حول ما تضمنه الكتاب، موضع الجدل، لتحاول تصويب الاختلافات في مسيرة عمل الجامعة، أو حتى لتثبت أن الكاتبة كان لديها منطلق شخصي في ما كتبت، وأن واقع الأمر غير ذلك. في حين تمنى البعض انسحاب بعض الدول من الجامعة إذا كان مثل هذا القرار سيدفع بقية الدول إلى تطوير آليات القرارات المشتركة، وان أوضاع الجامعة العربية باتت قريبة من الانهيار في ظل أوضاع مشابهة تحيط بالوضع العربي العام إذا لم تقرر الدول الأعضاء التغيير الكلي لأنظمة الجامعة حتى لو أدى ذلك إلى انسحاب دول معينة. وان 70% من موظفي الجامعة يكتفون بشرب الشاي في أروقة الجامعة ومكاتبها الخارجية لعدم أهليتهم لتولي الأعمال التي أوكلت لهم.
(باسل رفايعة، الإمارات اليوم، الجمعة 6/11/2009 النت، المنامة - مشاري العفالق، المنامة، اليوم الإلكتروني، 6/11/2009 نقلاً عن الدكتور سعود الزبيدي، مساعد الأمين العام).
وطلب بعض المثقفين استقالة السيّد عمرو موسى، ووصفهم بأنهم أكثر من مليون، وإعادة هيكلة جامعة الدول العربية .........الخ.
القانون: نقطة شكلية
1- هل يجيز ميثاق جامعة الدول العربية واللوائح القانونية التابعة له، هل يجيز للأمين العام إحالة موظفة دولية عاملة بمنظمة جامعة الدول العربية إلى التحقيق، بغض النظر عن جنسية الموظفة الدولية، وعن موضوع التحقيق، وهي معروفة في القانون باسم «الاختصاص القانوني»؟. نقطة شكلية يتعين الفصل فيها قبل أي موضوع آخر، ربما منحت مواثيق جامعة الدول العربية للأمين العام حق المتابعات القانونية والإدارية، وربما حتى الدبلوماسية تجاه العاملين بالمنظمة الدولية، ولكن من له حق التحقق من هذه النقطة الفنية الخالصة؟ فهل يمارس الأمين العام لجامعة الدول العربية صلاحياته وفق القوانين واللوائح والأنظمة الخاصة بالمنظمة؟ والسؤال الآخر: في حال أن له مثل هذه الصلاحيات، هل مارسها وفق ما شُرعتْ له أم تعسف في استعمال هذا الحق؟ ويكون الشخص أي شخص طبيعي أو اعتباري، متعسفاً في استعمال حقه، إذا لم يكن يقصد سوى الإضرار بالغير عند ممارسة هذا الحق، أو إذا كانت المنفعة المتوقعة التي يجنيها الممارس لاستعمال حقه لا تتناسب البتة بما لحق هذا الغير من ضرر محقق. نقول: هل تعسف السيّد عمرو موسى كأمين عام لجامعة الدول العربية في استعمال حقه في مثل هذه الإحالات؟.. هذا الجواب عند الأمين العام ذاته.
دبلوماسية أم موظفة؟
2- ما هي الصفة التي تمارسها ظبية خميس في منظمة جامعة الدول العربية الدولية؟ صفة دبلوماسية، أم موظفة دولية؟ فالدبلوماسية تعيد البحث في الاختصاص، إذ ليس للأمين العام لهذه المنظمة أن يحيل إلى التحقيق بعضا من الدبلوماسيين الموفدين من بلدانهم من دون أخذ موافقة تلك البلدان وهو موضوع ما يسمى الحصانة الدبلوماسية، وإذا كانت الثانية، أي الموظفة الدولية، فهناك الحصانة القانونية للموظف الدولي ترعاها كل المواثيق الدولية لاسيما ميثاق الأمم المتحدة لجهة حقوق الموظف الدولي غير الموفد من بلده، فإن من حق كل ذي شأن البحث بمثل هذه الحالة، ثم ما هي صفتها في التحقيق؟ هل هي متهمة أم مدعى عليها أم ظن ؟ أم مستوضَحة؟ وفي كل حالة لها إجراءاتها القانونية، قد يقول قائل ان هذا أمام القضاء، وهي دُعيتْ أمام لجنة تحقيق إدارية، نقول له حتى لو كانت صفة اللجنة إدارية، فهي لجنة تحقيق إدارية تخضع لإجراءات قانونية خاصة، ولا أعتقد بوجود مثل هذه الإجراءات على الموظف الدولي، ولا يجوز القياس على القانون الوطني الإداري في البلد المضيف للمنظمة الدولية - وجامعة الدول العربية هي منظمة دولية إقليمية - في معاملة موظف دولي، ومن المعروف أن القوانين الإدارية هي من القوانين العامة التي لا يجوز القياس فيها، أساساً، لهذا يكون القياس في حال وجوده فاسداً.
أين المشكلة؟!
3- هل المشكلة في الكتاب ؟ أم في عرضه ؟ أم في نشره؟ أم في وقائعه ؟ إذا كانت الأولى (أي في الكتاب) فإن مؤلفته هي المعتبرة في الوقائع والأحداث والوثائق، ويقع على كاهلها كل ما ورد فيه، وإن كانت الثانية (العرض)، تتحمل ظبية خميس ما ورد بمدونتها على شبكة النت، حول الكتاب كما تتحمل رأيها النقدي فيه، تنحصر مسؤوليتها في حدود استعراضها الكتاب وفي حدود رأيها النقدي فيه، إذا كانت الثالثة (في النشر)، فالناشر هو المسؤول عن ذلك، وفي كل الأحوال يخرج الاختصاص القانوني عن صلاحية الأمين العام لجامعة الدول العربية، ويقع في دائرة الاختصاص القانوني للنشر، وأعتقد أن لكل دولة قوانينها وأنظمتها في موضوع النشر، وحيث إن الكتاب صدر في بيروت، فليس لجامعة الدول العربية ولا لدولة مصر حق البحث بما ورد فيه إلا في حدود رقابة الكتاب ومنع تداوله،أو منع دخوله، ولا يقتضي في هذه الحالة استدعاء الناشر أو المؤلف أو الناقد العارض للاستجواب وإلا لكانت مهزلة استجوابات لكل كتاب لم ينل رضانا، وإذا كانت الرابعة (الوقائع)، يقوم البحث بصحة هذه الوقائع من عدمها، فإن كانت صحيحة لا وجوب للبحث فيها وإن كانت غير صحيحة هناك الكثير من الطرق لتصويبها وتصحيحها، ولم يكن من بينها استجواب المؤلف (كوكب) أو العارض (ظبية). وفي كل الأحوال يخضع الفعل الثقافي في مجمله لمجموعة قوانين وأنظمة النشر، ولا أعتقد أن ظبية خميس تم استدعاؤها من الهند حيث تمثل بلادها (الإمارات) هناك كدبلوماسية لسبب مخالفتها -أي ظبية - قوانين النشر. ومهما كانت المشكلة وفقاً لذلك فهي تخرج عن حدود صلاحيات الأمين العام لجامعة الدول العربية، كما انه لا يوجد أي فعل في هذه المشكلة، يعاقب عليه القانون ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
حصانة وخبرات
4- كانت ظبية خميس دبلوماسية عاملة في وزارة خارجية بلدها( الإمارات العربية المتحدة)، عند استعراضها الكتاب على النت، وقد تتمسك بحصانتها الدبلوماسية والقانونية القائمة لها عند استجوابها، وقد تطالب بالتعويض المعنوي والمادي أمام المراجع القانونية المختصة على مسبب الضرر، وقد تحتفظ بكامل حقوقها الشخصية والعامة فقد وقع عليها الضرر المحقق من هذه القضية التي قد لا يكون لها- أي لقضية الاستجواب - أي وجه حق. أما لجهة كوكب الريس وقد تقاعدتْ، فلم يعد لها صفة الموظف، كما لم يعد للأمين العام صلاحية إحالتها للتحقيق الإداري أو القانوني، وفي كل الأحوال يحتاج الفعل الثقافي والبحث العلمي المنهجي إلى خبرات لتقييمه وتقويمه، وفي حال توافر مثل هذه الخبرات لدى الأمين العام لجامعة الدول العربية السيّد عمرو موسى - ونحن لا نشك بخبراته العالية أبداً بل نؤكدها دوماً لاسيما مواقفه القومية - فليس لديه الوقت الكافي للتقييم والتقويم في الفعل الثقافي، وليس من حقه أن يكون خصماً وحكماً في آن واحد لأنه مثّل جهة الادعاء عند إحالته ظبية، وتنتهي صلاحيته للنظر بشأنها، وتدخل صلاحية الجهة المُحالة إليها، وكل قرار يصدر عنه بشأنها بعد ذلك مشوب بالكيدية والبطلان القانوني، فلا بد من خبرات محايدة لتقييم العمل /الفعل الثقافي.
خلف المجدمي
كاتب ومحامٍ سوري