عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الخميس 12 نوفمبر 2009 ,24 ذو القعدة 1430 , العدد 13096 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 12/11/2009
دولة «مدنية».. دولة «مرتدة»!
كتب محمد بن عصام السبيعي :
كثر الجدل في الآونة الأخيرة حول ملمح رئيس من ملامح هذه الدولة؛ أتكون مدنية؟ فإن كانت كذلك، أنكون بصدد نموذج مغاير للملكيات المحافظة في الجزيرة العربية؟ وفي حال كان ذلك تطورا طرأ على الواجهة السياسية لهذا البلد منذ الاستقلال ووضع الدستور، أيكون الأمر ردة عن تحكيم الدين في سياسة الرعية؟
الحق أنه لا يوجد في تصنيف النظم السياسية ما يمكن أن يطلق عليه دولة مدنية. فالمدنية صفة للتطور البشري تتجاوز الأطوار التقليدية لعيش الإنسان، تتسم بالتقسيم الواضح للعمل والتوظيف الواسع لفنون التقنية والحضور الكثيف للدولة في حياة الفرد. وما تداول مُركّب الدولة المدنية هنا سوى التفاف على تداعيات مفهوم الدولة العلمانية، وما يقتضيه من دعوة صريحة لإزاحة الدين عن موقع تكييف مخرجات النظام السياسي. ولعل ما يجعل من تلك الحيلة سببا لإثارة اللغط والفوضى الفكرية أن كثيرا مما نعرف من مدنيات قام على أساس الدين، وما المدنية الإسلامية حالة وحيدة.
مثل ذلك اللغط لم يكن ليستثير في الحقيقة انفعالا جادا لو اقتصر الأمر على التجاذب الحر والعابر للرأي. أما أن يستند ذلك السجال إلى ما ورد في وثيقة الدستور فيجعلنا نراجع فهمنا لنص تلك الوثيقة ونعرض ذلك على القارئ.
ينبني الرأي المتداول بالدولة المدنية أو قل العلمانية على حجتين. الأولى تنصرف إلى فلسفة القانون وقيمة الدستور في رسم سياسة الدولة والمجتمع، ومن ذلك النص على منزلة للدين، كبرت كانت أو صغرت. وبما أن هذه الوثيقة من وضع الإنسان، ولم يوح بها من مصدر ما ورائي، فعلمانية الدولة تكون بذلك تحصيلا حاصلا. الحق أن مثل هذا القول لا يغاير واقع الأمور فحسب، بل ينم عن إشكالية الفهم اللاتاريخي، كما هي سمة التعامل مع كثير من عناصر التراث في الفكر العربي. فهو مغاير للواقع لتصوره خطأ أن الدولة الدينية تحكم مباشرة بما يوحى به دون واسطة بشرية تقرر أن هذا الوحي هو المرجع. ومثلما قد تكون هذه الواسطة في البداية كلمة شفهية فهي في أغلب الأحوال وثيقة مدونة. فبدءا من الصحيفة التي علقها رسول الإسلام –صلى الله عليه وسلم- لتنظيم شؤون المدينة، وخطابه «لقد تركت فيكم...» وانتهاء بدول دينية معاصرة تقتني مثل تلك الوثائق، التي قد تسمى دستورا أو قانونا أساسيا كما هي الحال في جمهورية إيران الإسلامية والمملكة العربية السعودية، ففي كل ذلك يُلاحظ الدور الوسيط للإنسان في اختيار قانون السماء.
ومثل ذلك الرأي مناف أيضا للفهم التاريخي ومراعاة سياق الأحداث. فبزوغ الإسلام وتمام رسالته واعتناق هذا الشعب له، كل ذلك سابق على قيام الدولة ووضع الدستور. وبما أن الدولة قد ظهرت من رحم الإمارة فقد أتى منطوق المواد في الفصل الأول على وجه التحديد تقريرا للعديد مما سبق من الحقائق ومنها ما يخص الدين، وذلك خلاف الدور المعياري لمواد الدستور، أي وضع صورة ما يجب أن تكون عليه الحال وحث الدولة على تحقيقه، وهو الأمر السائد في الفصول اللاحقة. فالدستور لم يكسب هذا الشعب الهوية العربية، ولم يلقنهم لغة الضاد أو يحث الدولة على البدء بذلك، بل أكد واقع الحال بنصه على الهوية العربية لهذا الشعب وجعل العربية لغة رسمية للدولة الوليدة. ونحو ذلك النص على بقاء حكم الدولة في ذرية مبارك الصباح. وغني عن البيان أن القبول برأي علمانية الدولة، من أن الدستور هو من بوأ آل صباح حكم الدولة يحمل مفارقة مع حقيقة أن الدستور ذاته قد جاء نتيجة مشيئة أميرية. وكذلك شأن المادة الثانية حين تنص على أن دين الدولة هو الإسلام فهي تقرر بكل جلاء بأن هذه الدولة ذات دين ودينها الإسلام. ولعل الاستثناء الوحيد من تقرير ما كان سائدا على أرض الواقع، أي الملمح الجديد الذي يلحقه الدستور بالنظام السياسي يكمن في المادة السادسة حيث يقضي النص بالطابع الديموقراطي لذلك النظام.
الحجة الثانية تنهض على جدل لا ينتهي في تفسير الشطر الثاني من المادة الثانية بأن «الشريعة الإسلامية مصدر (وليس المصدر) الرئيس للتشريع». وبما أن الشرع الإسلامي يقف على قدم المساواة مع غيره من المصادر فذلك يتضمن سمو الدولة على الدين مؤكدا طابعها اللاديني على الأقل. والحق أن هذا الفهم يثير العجب. وأغرب ما فيه انشغاله بما جاء في الشطر الثاني وما إذا كانت أداة التعريف تحسم الأمر، وتخطيه لما جاء في الشطر الأول من نص لا لبس فيه من أن للدولة دينا ودينها الإسلام. فالنص هنا ليس من قبيل أن الإسلام دين الشعب الكويتي، أو دين الأكثرية الفلانية، أو الإثنية الأقلوية، بل دين الدولة بكل ما يحويه مفهوم الدولة من شعب وحكومة ومؤسسات متنوعة وأقطاب عديدة لصنع السياسة. وفي ضوء ذلك فالانشغال بتأويل الشطر الثاني من المادة الثانية لانتزاع الدولة من المرجعية الدينية يبدو لي فائضا عن الحاجة وبغير هدف، خاصة بعد النظر إلى ما ورد بشأن ذلك في المذكرة التفسيرية، وما جاء في مواد لاحقة من واجب الدولة في رعاية التراث الإسلامي.
هذه الدولة تبدو لي بالنظر إلى ما سبق وإلى اعتبارات عديدة أخرى دولة دينية، أو أقرب لمثل هذا التصنيف من الدول. قد نتفق! وقد نختلف بعض الشيء! أما أن تكون دولة علمانية، بمعنى متخلصة من المرجعية الدينية، ومتحررة من الدين في صنع سياستها فلا أظن أحدا سيجد لمثل ذلك القول أساسا... تلك حقيقة قد تغضب بعضهم!

د. محمد بن عصام السبيعي
syrbee@msn.com
        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS