التزمت بعادة خلال سفري، بما في ذلك خلال سفري الأخير، قد يرى كثيرون أنها سيئة، ألا وهي الانقطاع عن قراءة الصحف الكويتية، واستبدالها بصحف البلد الذي أكون فيه. قد يرى البعض أنها غير مناسبة خاصة بعد أن توافر التواصل مع الصحافة المحلية من خلال الإنترنت. لكنني أرى أن الانقطاع عن الصحافة المحلية لوقت محدود هو جزء من الراحة المنشودة خلال السفر. وفرصة لرؤية العالم من خلال نوافذ جديدة، خاصة بعد طغيان الخبر المحلي على الصحافة الكويتية خلال السنوات الماضية. لذلك وبعد عودتي من السفر وجدت نفسي أتلقى خبر حادث الشيك الذي عرض النائب فيصل المسلم صورة عنه، والمسحوب من الحساب الشخصي لسمو رئيس مجلس الوزراء في بنك برقان بصورة عكسية. فقد عرفت عنه، عن طريق بيان بنك برقان، ثم بعدها قرأت أعمدة الصحافة في اليوم الذي سبق هذا البيان. وبعد أن قرأت يمينا ويسارا وتكونت لدي فكرة عن حيثيات القضية، وجدت أن من قصر انتقاده على كشف السرية وركز توجيه غضبه إلى النائب فيصل المسلم، يمارس نفاقا سياسيا، ولا يريد للعمل السياسي في الكويت أن يتطور.
أتفهم موقف بنك برقان وأسفه الشديد، وأتفهم موقف محامي سمو رئيس مجلس الوزراء، لكن هؤلاء الذين صبوا غضبهم على طرف واحد، من كتاب أعمدة وآخرين، يريدون أن يقولوا لنا أن الفساد السياسي أمر عادي، وأن المحافظة على السرية المصرفية هي الأهم. أو بطريقة أخرى، يريدون أن يدخلوا إلى قناعاتنا أنه من الطبيعي أن نمارس السياسة بهذه الطريقة.
وبافتراض أن الشيك صادر من الحساب الشخصي لسمو رئيس مجلس الوزراء إلى نائب سابق، فإن ذلك لا يزيل الشك ولا يجعل الأسود أبيض، فالشيخ ناصر المحمد ليس بفرد عادي أنعم الله عليه من الرزق الكثير، إنما هو رئيس الحكومة. وكما توارد في الأنباء، فإن الشيك كذلك مكتوب إلى نائب سابق، وهو كذلك شخص غير عادي. فالنائب ينتخب لمراقبة أداء رئيس الحكومة. لذلك فعندما يتبرع رئيس الحكومة من حسابه الشخصي لنائب لا بد أن يكون للتبرع غرض سياسي، أوضحه أن يكف النائب عن دوره الرقابي، وبذلك تفسد العملية السياسية برمتها.
وأتفهم أن العمل السياسي يفرض التزامات مالية على كثير من النواب، أغلبهم غير قادرين عليها. فالحملات الانتخابية تتطلب إنفاقاً لا يتناسب مع ثقل حسابه المصرفي، والمواهب السياسية لا توجد عند أصحاب الدخول العالية فقط. لذا فإن حادثة الشيك هذه يمكن أن يستفاد منها لتنظيم عملية التبرعات للناشطين السياسيين وبشفافية لكي لا يضطروا إلى الاعتماد على «تبرعات» من الجهات التي اختارهم الشعب لرقابة أدائها. لكن إلى حين أن يتم تنظيم ذلك بقانون، أو بإعلان من ناشط سياسي أو مرشح، مع تحقيق الشفافية التي سوف تكشف للناخب أسماء المتبرعين وقيمة تبرعاتهم، يبقى أن حادثة الشيك هذه كشفت لنا نفاقاً سياسياً، يشكل عائقاً أكبر للارتقاء بالعمل السياسي في الكويت.
د. حامد الحمود
Hamed.Alajlan@gmail.com