كتب الجنرال وفيق السامرائي:
أكثر السياسيين فشلاً هم الذين تنقصهم الرؤية الاستراتيجية ويستعجلون تبني المواقف وإطلاق التصريحات المتسرعة من دون التأكد من احتمالات التأثير السلبية. ومثل هذه الصور تتجسد لسوء حظ العراقيين والمنطقة في العراق الجديد، الذي تنقص معظم سياسييه الخبرة الإدارية والسياسية وفهم المعادلات الدولية والنقص في فهم حركة المعلومات وأساليب تحرك أجهزة الأمن والمخابرات في الظروف الاستثنائية، لا سيما أن المنطقة تعيش حالة استثنائية. وما حدث في بغداد يوم أمس من تفجيرات دموية مستنكرة لم يكن الحالة الوحيدة، فقد حدثت مئات الهجمات منذ تفجيرات الأربعاء الدامي قبل نحو شهرين. ولم تتوقف الاغتيالات ولا العبوات الناسفة ولا الهجمات المفخخة، فيما كان السياسيون الحاكمون في بغداد يعتقدون ويروجون الى أن طلب تشكيل المحكمة الدولية أدى الى ردع المتواجدين على الاراضي السورية من مواصلة أفعال ينسبونها إليهم. فهل أدت التصريحات الصادرة من بغداد الى ردود فعل معاكسة أم أن ما يجري يثبت أن ما يحدث هو من نشاط أشخاص موجودين ضمن هيكلية النظام القائم، وعلى هامش خلافات سياسية حاسمة، الكل يتحدث عن كونها مصيرية؟
هدفان منتقيان
هجمات البارحة استهدفت، كما أعلن، مفصلين سياديين أيضاً هما محافظة بغداد ووزارة العدل، وبما أن المؤسستين تقعان في منطقة قريبة من الحزام الأخضر فإن استهدافهما عن قرب يدل على وجود اختراقات عميقة ومباشرة. فهل يعقل أن ما يوصف بتحالف البعثيين والتكفيريين لا يزال مستمراً بالنفوذ في ثغرات اختراق عميقة برغم كل عمليات الاجتثاث والإقصاء ومحاولات تغليب لون واحد على أجهزة الأمن؟ أم أن ما يحدث بات عصياً عن الفهم؟ أم أن المسؤولين المعنيين يعرفون حقيقة الأمر وليست لهم القدرة على المعالجة؟
الحقيقة الراسخة التي لا يريد بعض السياسيين الاعتراف بها هي أن الأمن مسؤولية جماعية لم تحرص الحكومة على تأمين عناصر تعميمها. وأن الأمن اختصاص خاص لا يمكن أن تقوم به عناصر تعتقد أن وجودها نفعي مؤقت.. وأن الأمن لا يبنى على فلسفة عنصرية وطائفية وانتقامية واستئثارية، لكن الحديث مع المعنيين من السياسيين أصبح كالحديث مع من فقد السمع والبصر.
لقد حاولت مراراً القول إن الرقص على المنجزات الأمنية لم تكن نغماته مالكية أبدا، وكانت عناصر التحسن ثلاثة: بدأت بالاستراتيجية الأميركية الأخيرة بالتعاطي مع الجماعات المسلحة التي تصادمت مع القاعدة، وانتفاضة العرب السنة ضد القاعدة، ثم زيادة قدرات القوات العراقية عدداً وعدة. أما المسؤولون السياسيون في بغداد فنسبوا المتحقق لهم الى اعتبارات انتخابية، وأغوتهم النتائج فحصدوا فشلاً أمام الناس. ولم يعد من سبيل إلا بتغيير نهج النظام وفلسفته القائمة.