بغداد - نزار حاتم والوكالات:
في خضم الآثار الثقيلة التي حملتها بغداد جراء هجمات «الأربعاء الدامي» التي هاجمت مراكز سيادية ووطنية، بينها وزارتا الخارجية والمالية(الأمر الذي أدى إلى نشوب أزمة سياسية حادة بين العراق وسوريا)، وفي ذروة الحديث عن المحكمة الدولية لملاحقة المتورطين في هذه التفجيرات وتدخل وساطات إقليمية وعربية لتهدئة الموقف، شهدت العاصمة العراقية يوما أسود جديدا يشابه في مرارته ويعادل في ضحاياه ما حصل في الشهر الماضي، فقد استهدفت مواقع سيادية جديدة وسقط مئات المواطنين الأبرياء ضحايا تفجيرين متزامنين.. وفي مواقع تعتبر حصينة نظرا لقربها من المنطقة الخضراء ومجمعات السفارات الأجنبية.
وهكذا، فالحصيلة الأخيرة -غير النهائية- التي وردتنا لغاية إعداد هذا التقرير، أشارت إلى أن عدد ضحايا الانفجارين وصل -بحسب إحصاءات جمعت من اربعة مستشفيات- الى 138 قتيلا و500 جريح، فيما تتوقع المصادر الطبية والامنية ارتفاع اعداد القتلى والجرحى بسبب تواصل عمليات الانقاذ التي تجري وسط حطام واجهات المباني المدمرة والسيارات المحترقة.
بينهما دقائق معدودة
وقد هز انفجاران قويان وسط العاصمة قرابة الساعة 10:30 صباحا، استهدف الأول مبنى وزارة العدل الواقع بالقرب من مبني التلفزيون الرسمي في شارع حيفا، ما أسفر عن دمار كبير في طوابقه الستة، فيما وقع الثاني بعده بدقائق عند مبنى الحكم المحلي وهو في الوقت نفسه مركز مجلس محافظة بغداد، الذي يضم مكتب المحافظ وبالقرب من السفارة الإيرانية وبالقرب من فندق «المنصور ميليا» في الصالحية، ما أسفر أيضا عن دمار هائل واحتراق عشرات السيارات، خصوصا أن المبنيين يقعان عند تقاطع مزدحم للطرقات.
ولم يتمكن وزير الصحة صالح الحسناوي من ذكر الحصيلة النهائية، لكنه قال إن دائرة صحة بغداد الكرخ والرصافة ومدينة الطب استقبلت عددا كبيرا من الشهداء.. وأُخرج 200 جريح لتماثلهم للشفاء.
كيف نُفّ.ذ الانفجار؟
وتضاربت التصريحات بخصوص الآلية التي تم بها تنفيذ التفجيرات، فمصادر الشرطة تؤكد ان الهجومين ليسا انتحاريين، كما كان يعتقد في البداية.. وستطرح الكثير من الأسئلة حول أسلوب التنفيذ، لا سيما أن تلك المناطق تخضع لاجراءات امنية مشددة ويلفها حزام أمني مكثف من نقاط التفتيش بسبب وجود مقرات مهمة مثل وزارة الدفاع وأحد مداخل المنطقة الخضراء.
لقد جاءت هذه التفجيرات في ظل أجواء التشاؤم التي خيمت على عموم العراقيين عقب عجز البرلمان عن التصويت على قانون الانتخابات، واحالته إلى المجلس السياسي للأمن الوطني، الأمر الذي زاد من وتيرة الاحتقان والتبرم الشعبي من الخروقات الأمنية الكبيرة.
جثث متفحمة تحت الأنقاض
شهود عيان أكدوا لـ «القبس» أن عدد الضحايا الذي أُعلن لم يكن دقيقا، وأشاروا الى وجود أعداد كبيرة من الجثث المتفحمة تحت الأنقاض وعلى الأرصفة لم يتم تعدادها أو التعرف عليها.
هذا المشهد الدموي في ظل الظروف الراهنة ستكون له تداعيات كبيرة على صعيد الأجواء الانتخابية الساخنة بسبب صراعات القوى السياسية المتنافسة، التي ستحاول استغلالها بقوة لتزيد من اتون هذه الصراعات، وبالتالي فإن بعض التوقعات التي تشير الى احتمال تأجيل الانتخابات لتعيش الساحة السياسية في فراغ دستوري يشيع المزيد من الفوضى، هو أمر بدأ يشق طريقه نحو الاتساع.
على صعيد التحديد التقريبي لهوية الفاعلين، أشارت مصادر مطلعة لـ «القبس» الى أن الأطراف الكامنة وراء حادث الأربعاء الدامي، هي ذاتها مسؤولة عن حادث الأمس الأكثر بشاعة، وقد نُفّ.ذ على يد عناصر تابعة لتنظيم القاعدة الارهابي. ومصادر أخرى ألمحت الى أنه من السابق لأوانه تحديد الجهة الفاعلة، دون أن تستبعد عناصر القاعدة وبالتنسيق مع عناصر حزب البعث في الضلوع بهذا الحادث الغاشم.
السلطات ستحاسب المقصرين
وفي هذا السياق، أعلن اللواء قاسم عطا المتحدث الرسمي لقوات بغداد «ان السلطات ستحاسب جميع الجهات والمقصرين جراء الانفجارات»، واضاف: «سنأخذ كل الاحتمالات بعين الاعتبار وسنحاسب المقصرين بعد اكتمال التحقيقات». وشدد على ان «الايدي التي نفذت انفجارات الخارجية والمالية في 19 اغسطس الماضي هي نفسها التي نفذت هذا العمل الارهابي»، وتابع: «لم نعثر حتى الآن الا على اجزاء محدودة من السيارات التي تم تفجيرها من قبل انتحاريين وان التحقيقات جارية لمعرفة حقيقة الانفجارات وكميات المواد المستخدمة بالتفجيرات.
آثار جانبية
ويمثل هذان الانفجاران أكبر تحدٍّ امني تواجهه الحكومة.. وفي وقت تشهد فيه البلاد أزمة سياسية حادة تعصف بمجلس النواب بسبب الخلافات بين الكتل حول قانون الانتخابات وقضية كركوك التي تعد حجر العثرة في طريق تشريعه، كما يأتيان قبل ساعات من انعقاد المجلس السياسي للامن الوطني لدراسة هذه المسألة المستعصية.
من جانبهم، قال مسؤولون عسكريون أميركيون ان مثل هذه الهجمات تهدف الى اعادة اثارة الصراع الطائفي او الى تقويض الثقة برئيس الوزراء نوري المالكي قبل الانتخابات البرلمانية، فيما اكد الناطق باسم الحكومة علي الدباغ لقناة العراقية الرسمية «لا استبعد ان تكون هذه التفجيرات موجهة ضد الانتخابات».
مشاهد مروعة
أفاد مصدر امني «ان الانفجار لم يبق اثرا لنقطة تفتيش للشرطة كانت قبالة وزارة العدل وعند مدخل جسر الاحرار وان اكثر من 10 من افراد الشرطة قتلوا في الحادث».
قال علي الدباغ المتحدث باسم الحكومة إنه كان في فندق عندما انفجرت القنبلتان وإن الزجاج المتطاير تهاوى عليه هو وآخرين. وأضاف أنه يعتقد أن مقاتلي تنظيم القاعدة أو فلول البعثيين وراء الهجومين.
ويقع فندق المنصور قرب مبنى محافظة بغداد وهو أحد فنادق الدرجة الأولى، كما أنه مقر السفارة الصينية في بغداد، ومقر لوكالات انباء محلية وعالمية. ويقع قرب مبنى وزارة العدل مبنى وزارة البلديات. ولا تفصل بين مكاني الانفجارين سوى مئات من الأمتار.
ذكر شاهد عيان لمراسل «رويترز» انه رأى 13 جثة بعضها على الارض والبعض الاخر في سيارات تفحمت في موقع احد الانفجارين. واغرقت المياه الشوارع فيما حاول رجال الاطفاء اخماد النار المشتعلة في السيارات وانتشال الجثث منها.
الانفجار الثاني الذي وقع قرب مبنى مجلس محافظة بغداد ادى الى تدمير البنية التحتية للتقاطع وخلف حفرة عميقة وكبيرة ادت الى تدفق المياه واشتعال النيران بعدد من السيارات المدنية والحاق دمار بمبنى مجلس المحافظة.
شاهد مراسل وكالة فرانس برس جثثا على الرصيف فيما كان مسعفون يحاولون سحب جثث من داخل سيارات تحترق.
في وزارة العدل، قام عناصر الاطفاء بمد سلالم للتمكن من اخراج الضحايا. وذكرت مصادر في فرق الاسعاف ان نحو اربعة موظفين في وزارة العدل على الاقل قتلوا في الهجوم فيما اصيب اكثر من ستين اخرين.
قال موظف في وزارة العدل ان الانفجار قذفه بعيدا عن مكتبه مما تسبب باصابته بجروح كبيرة وتدمير طوابق الوزارة الستة.
قالت مصادر في الشرطة ان امين عام تجمع العدالة والتنمية ياسين محمد اصيب في الهجوم الانتحاري الذي استهدف وزارة العدل، وان مرافقه لقي مصرعه في الحادث ايضا، وذلك لدى مرورهما بالقرب من مكان الانفجار لدى وقوعه.
مصدر أمني أفاد بأن الانفجار أدى الى احتراق عشرات السيارات وتدمير اجزاء كبيرة من مبنى محافظة بغداد بالاضافة الى تضرر مبنى تلفزيون العراقية شبه الرسمي القريب من موقع الانفجار.
اغرقت المياه الشوارع وانتشل رجال الاطفاء الجثث المتفحمة والمشوهة من الشوارع. واحترقت ست سيارات تماما قرب مبنى الحكم المحلي.
قال حميد سعدي وهو شاهد عيان وصاحب متجر لبيع الهواتف المحمولة يقع قرب مبنى وزارة العدل عن الانفجار «كان قويا جدا.. ووقع وسط الشارع وادى الى تدمير المكان بالكامل وكأن المكان قد أصابته هزة ارضية حولته الى منطقة منكوبة.. حتى الارض انقلعت من شدة الانفجار».. «لا اعرف كيف لا ازال حيا. الانفجار دمر كل شيء.. لقد كان مثل زلزال.. فلا شيء في مكانه».
حلقت عدة مروحيات فوق المنطقة فيما وصلت عشرات آليات «هامفي» الى الشوارع قرب موقع الهجومين.
حسب شهود عيان، فان العشرات من الاشخاص تناثرت جثثهم في الشوارع فيما التهمت النيران عددا كبيرا من الاشخاص وهم بداخل السيارات التي احترقت بفعل الانفجارين. وحمل الرجال الجثث في بطاطين بعيدا عن مسرح الهجوم وحاول عشرات اخرون تحريك سيارة ليستخرجوا جثتين من تحتها.