في يوم الأربعاء الخامس من شهر رمضان سنة 202 تولى يحيى بن أكثم قضاء البصرة. هو يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي. أبو محمد. قاض رفيع القدر، عالي الشهرة، من نبلاء الفقهاء، يتصل نسبه بأكثم بن صيفي، حكيم العرب.
اختلف الناس فيه، فمن ذام له بأقبح الصفات كاللواط والشرب. ومن مدافع عنه.
ولد بمرو (في خراسان). اتصل بالمأمون أيام مقامه بها، ثم قدم بغداد. ولي قضاء البصرة، وذلك أيام الحرب على الخلافة بين محمد الأمين وأخيه المأمون عبدالله ولدي هارون الرشيد، وكان مأموني الهوى، ثم جعله المأمون قاضي القضاة، وأضاف اليه تدبير مملكته، رفع أهل البصرة اليه أن يحيى ابن أكثم أفسد أولادهم بكثرة لواطه، فقال المأمون: لو طعنوا عليه في أحكامه قبل ذلك منهم، قالوا: يا أمير المؤمنين، قد ظهرت منه الفواحش وارتكاب الكبائر، واستفاض ذلك منه، وهو القائل يا أمير المؤمنين، في صفة الغلمان وطبقاتهم ومراتبهم في أوصافهم.
وذكروا أنه كان من أهل الشرب واللواط وغير ذلك من القبائح. وأما في الحديث فعن يحيى بن معين: كان يكذب، وعن ابن راهويه: ذاك الدجال، وعن ابن الجنيد: يسرق الحديث، وعن أبي حاتم: فيه نظر. وذكروا أنه تولى ديوان الصدقات على الأضراء ولم يعطهم شيئا، فذكر من تلك الصفات للامام أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله من يقول هذا: وأنكر ذلك انكارا شديدا، وأشار الى حسد الناس له وصف الشاعر ابن أبي نديم في يحي وما كان عليه بالبصرة قوله:-
يا ليت يحي لم يلده أكثمهُ
ولم تطأ أرض العراق قدمه
ألوط قاض في العراق نعلمه
أي دواة لم يلقها قلمه
وأي ش.عْبٍ لم يلجه أرقمه
وصار أن اجتمع يحيى منادماً للمأمون، وذات مرة سأله المأمون من الذي يقول:
قاضي يري الحد في الزنى
ولا يري على من يلوط باس
فرد عليه يحيى القاضي: هو ابن أبي نديم يا أمير المؤمنين وهو القائل أيضاً:-
أميرنا يرتشي وحاكمنا يلوط
والرأس شر ما راس
قاض يرى الحد في الزنى
ولا يرى على من يلوط باس
ما أسب الجور ينقضي
وعلى الأمة وال من آل عباس
فأطرق المأمون خجلاً ثم رفع رأسه، وأمر بنفي ابن أبي نديم الى السند.
وقد غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده فكان وزراء الدولة لا يبرمون أمرا الا بمشورته. ثم سخط عليه آخر حياته، فأوصى أخاه المعتصم، في وصيته اليه، ألا يقربه ولا يستوزره، وقال عنه ان فيه خبث سريرة وسوء طوية، فلما تولى المعتصم الخلافة عزله عن القضاء فلزم بيته، ولما آل الأمر الى المتوكل رده الى عمله ثم عزله وصادر أمواله، فأقام قليلا وعزم على المجاورة في مكة فتوجه اليها، فبلغه أن المتوكل صفا قلبه عليه، فانقلب راجعا، فلما كان بالربذة (من قرى المدينة) مرض وتوفي بها عن ثلاث وسبعين سنة. كان عالما قوي الحجة، استطاع أن يقنع المأمون بتحريم المتعة وكان نادى بتحليلها، ولم يقل بخلق القرآن.
البصرة القديمة