كتب مهاب نصر:
حينما نشر يوتيوب صور الإيرانية ندا السلطان أغا التي قتلت في التظاهرات الأخيرة اعتراضا على نتائج الانتخابات اضطر الرئيس أحمدي نجاد إلى التصريح بفتح تحقيق في الموضوع، وتأسف أوباما الذي ذكر أنه شاهد اليوتيوب عدة مرات. ربما كانت هذه إحدى الحوادث التي تثبت الأهمية المتفاقمة للنشر الالكتروني مهما كانت وسيلته: منتديات، مدونات، صفحات الفيس بوك وغيرها.
في هذا الإطار جاءت الندوة التي أقيمت أخيرا برابطة الأدباء وبرعاية دار ناشري للنشر الالكتروني، حيث قامت رئيسة مؤسسة الدار حياة الياقوت بإلقاء كلمة افتتاحية. أما الأمسية فتضمنت فعاليتين، الأولى حلقة نقاشية مع المدونين عبدالحميد المضاحكة، وطارق المطيري، ويحيى طالب، والثانية ندوة «النشر الالكتروني والقانون» التي شارك فيها المحامي فيصل اليحيى، وأدار النقاش أسامة الشاهين.
رقابة وإبداع
تحدث المدونون عن رحلة اكتشافهم للشبكة بداية من المساهمات العابرة في المنتديات وصولا إلى التدوين، وبينما رأى المضاحكة والمطيري في المدونات تعبيرا وإسهاما في الرأي والحوار ودعما للدور الرقابي الشعبي للمجتمع في كثير من القضايا، خاصة السياسية، رأى فيها يحيى طالب امتدادا لجسد الإبداع ومجالا لكتابة النص الخاص.
وفي ما يتصل بعلاقة التدوين بالتعليق على الأحداث وتكوين الرأي العام، رفض المضاحكة أن يعتبر المدونات سلطة «خامسة» مستقلة، ورآها استكمالا للدور الذي تقوم به الصحافة والإعلام عموما كسلطة رابعة، بينما رأى المطيري أن المدونات تعبير فردي غير مؤسسي كما هو الحال في الصحافة والإعلام، ومن ثم فهو السلطة الأولى التي تمثل نبض الشارع. وأشار يحيى طالب إلى أن التدوين عبر شبكة الانترنت أوجد عالمين مختلفين، عالم النشر الورقي وعالم النشر الالكتروني، ولكلّ جمهوره المتميز، فبينما يفضل الخاصة من الأكاديميين والكتاب الكلمة المطبوعة، يتوجه عدد أكبر من الجمهور إلى متابعة الكتابة الرقمية على صفحات المدونات وغيرها. ويشير طالب إلى الخلاف الدقيق بين «المنتديات» و«المدونات» من حيث تعبير كل منهما عن جمهور مختلف وكأنهما امتداد للاختلاف بين ثقافتين انتقل من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي.
الهوية المستورة
وحول إمكان تأسيس رابطة للمدونين ذكر المطيري أن هناك رابطة أسست في الأردن بالفعل منذ مارس الماضي، لكن الخوف من وجود رابطة أو شكل مؤسسي هو تعارضهما مع رغبة الكثيرين من المدونين في إخفاء شخصياتهم الحقيقية حيث تصل نسبتهم إلى 85%، كما أشار إلى بعض الظواهر الخاصة بالمجتمعات العربية التي تعاني أوضاع التمييز حيث يزيد عدد المدونات من الإناث في المملكة السعودية مثلا عن عدد الذكور، حيث يجدن في الحماية التي يوفرها التدوين فرصة للتعبير عن رأيهن، وهو ما يمكن أن يصبح مهددا عند تكوين روابط أو جماعات ذات وصاية على المدون، تطالبه بكشف هويته.
وبينما أشار عبدالحميد المضاحكة إلى ضرورة تقنين النشر الالكتروني ووضع قيود عليه، مؤكدا أن «الحرية المطلقة مفسدة» وأنها مدعاة لنعرات طائفية وخروج عن التقاليد، تحدث المطيري مطالبا برقابة ذاتية فقط، رافضا مأسسة الرقابة أو فرضها بالقانون.
بيان سياسي
الحماسة أبرز ما توصف به كلمات المحامي فيصل اليحيى الذي كان يفترض أن يتحدث في القسم الثاني من الأمسية عن النشر الالكتروني والقانون فإذا به يلقي بيانا عن حرية الرأي والتعبير والضمانات القانونية والدستورية لهما. وقد قال اليحيى إن خوف الناس من تقنين استخدام الانترنت والنشر الالكتروني ناتج عن ثقافة اعتادت أن ترى القانون أداة في يد الأقوى، فهي تخشى من التعسف في تطبيقه، وكأنه وضع للتمييز وليس للمساواة، وصار وسيلة للمتنفذين، بينما الحقيقة أن القانون يأتي لإطلاق الحريات والدفاع عنها وليس لتقييدها، فلا يجوز تنظيم الحرية إلا بقانون يعبر عن إرادة الأمة لا السلطة، ولا بد من فهم القانون وفق هذا المنطلق.
وقال اليحيى انه رغم عدم وجود قوانين خاصة بتنظيم النشر الالكتروني فإن ذلك لا يعني أن هذه الممارسة خارجة عن القانون، فهي تخضع للمبادئ الدستورية العامة المتصلة بحرية التعبير والقوانين التي تعنى بقضايا النشر والإعلام أيا كانت وسيلتهما.