عندما كان الحديث لا يزال رائجا عن تنقيح الدستور عام 1983 اقتنصت القبس مقابلة تاريخية - كما فعلت اليوم مع حمد الجوعان - مع أحد رجالات الكويت البارزين المغفور له بإذن الله عبد اللطيف محمد ثنيان الغانم رئيس المجلس التأسيسي ورئيس لجنة الدستور التي نهضت بمسؤولية وضع دستور عام 1962، ولم تخلُ تلك المقابلة من الجرأة والصراحة الممزوجة بثقة المساهم في صنع ما نفتخر به اليوم من مكتسبات شعبية.
وقد ارتأينا أن نواكب ما تقوم به القبس هذه الأيام من لقاءات حول أجواء ولادة دستور الكويت من خلال اقتباس بعض الإجابات المنسجمة مع أحاديث اليوم، والإشارة إلى أن الغانم رحمه الله أوضح في تلك المقابلة انه لا يستطيع الحكم على قد ما يراه النواب مناسبا في المستقبل.
فعن زيادة عدد أعضاء مجلس الأمة، قال الغانم: «نعارض هذه الزيادة لأنها سوف تحتاج إلى تغيير بعض المواد الدستورية أولا، وثانيا لأنها تخل بالتوازن ما بين الحكومة والمجلس من حيث التصويت، وإذا فكرنا يوما من الأيام في أن نزيد عدد النواب أولا، فلننظر إلى عدد الدوائر حتى لا نظلم دائرة على حساب أخرى، ولنحرص على أن تكون النوعية نوعية فاهمة لتملأ الفراغ الذي تدعي الحكومة انها محتاجة إليه». وفي موضع آخر يقول «أنا من أنصار وضع شرط بألا يدخل مجلس الأمة إلا الحاصل على الثانوية وما فوق، لأن النقص اليوم في مجلس الأمة ليس بالعدد، بل بالنوعية».
ويرجع الغانم سبب تراجع مستوى مجلس الأمة إلى التوسع في سياسة التجنيس، حيث يقول «تكاثر السكان غير المربوطين بتربة البلاد، وجُنّس أعداد كبيرة منهم، فبدلا من أن تشهد البلاد الزيادة العالمية المعروفة، وهي 5 في المائة سنويا، فقد شاهدنا العكس، اذ كان من المفروض أن تزيد الكويت خلال العشرين سنة الماضية حوالى 150 ألف نسمة ومع وجود الــ 120 ألفا السابقين يصبح العدد 270 ألفا. هذا على أكثر تقدير. أما الآن فعدد سكان الكويت 600 ألف يحملون الجنسية، لأن التجنيس منح لأناس لا اقل من يقال فيهم انهم أميون. وهم لم يفيدوا البلد، بل صاروا عالة عليه...».
وعن الحريات وتعديل الدستور، قال الغانم: «ما يمس الحريات لا يجوز تعديله. والحريات الموجودة في الدستور يجب أن لا تمس. فعندما تأخذ بعض المواد من سلطة مثل الفيتو على بعض القوانين عند الأمير، فهذا معناه أنه لا وجود للسلطة التشريعية. وأنا، في الاستشارة العليا عند سمو الأمير وسمو رئيس الوزراء، اعترضت على التعديل كمبدأ عام لعدة أسباب أولها ينطلق من اعتقادي بأن الكثير من أعضاء المجلس الحالي لا يمتلكون الاستيعاب الكافي لمواد الدستور، بحيث لا يفهمون كيفية تعديلها... ونصيحتي الى أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية ألا يمسوا أي شيء في الدستور».
وفي ما يتصل بضمانات استقرار السلطة التنفيذية يقول الغانم: «لقد كنا ونحن حديثو العهد بالاستقلال، ونتميز بوضع جغرافي دقيق، في حاجة إلى ترابط بين الحاكم والمحكوم. ولهذا نجد في دستورنا ما يميزه عن الدساتير العالمية، وهو الباب الرابع منه الذي يتعلق بتنظيم الصلة بين السلطتين. لقد مُنح الأمير سلطة أقوى من سلطة المجلس، وأعطي حق تأليف الوزارة، وكذلك صعوبة إسقاطها، مثلما منحنا الوزراء حق التصويت في المجلس... كل هذا كان الهدف منه الاستقرار واستقرار الأمور، فحقوق الأمير محفوظة، وفي الوقت نفسه فإن حقوق الشعب أيضا محفوظة».
وأخيرا رحم الله عبداللطيف محمد ثنيان الغانم وأسكنه فسيح جناته.
إبراهيم المليفي
mulaifi70@gmail.com