عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الاثنين 20 ابريل 2009 ,25 ربيع الثاني 1430 , العدد 12892 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية    مجلــس الأمـــة  
عدد القراء : 856
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 20/04/2009
كيف تنظر النخبة الخليجية إلى الديموقراطية الكويتية؟
أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور السعودي خالد الدخيل
إخراج القبلية من اللعبة السياسية شرط لاستقرار الديموقراطية الكويتية
كتب حسين عبدالرحمن :
• خالد الدخيل
• خالد الدخيل
‏ الدوحة ــ حسين عبدالرحمن:‏
‏ قال استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعوية ‏الدكتور خالد الدخيل ان القبيلة تشكل خطرا كبيرا على استقرار الدولة. وطالب بابعاد ‏التيار الديني والفكر القبلي من دخول التجربة الديموقرطية، ورأى ان التجربة الكويتية في ‏الحياة الديموقراطية شكلت في السنوات الاخيرة ضربة موجعة للتيارات الاصلاحية في ‏دول الجزيرة العربية والخليج. ‏
واضاف الدخيل، في حديث لم يتحفظ فيه عن الاجابة عن اي سؤال، ان اغلب ‏الحكومات الخليجية لا تفكر اصلا في تطبيق الديموقراطية. في البحرين هناك ‏ديموقراطية، لكنها تواجه صعوبات لاسباب بعضها يتعلق بالحكومة.
‏ وقال الباحث الدخيل: ليس هناك ما يشير الى ان التيار الديني يتبنى خيار ‏الديموقراطية، لا في الكويت ولا خارجها. التجارب في السودان، وفي افغانستان تؤكد ‏ان التيار الديني لا يؤمن بالخيار الديموقراطي كخيار نهائي.
وفي ما يلي الحديث :

• هل الحكومات الخليجية جادة في الاتجاه لتطبيق الديموقراطية؟
‏- هناك اختلافات بين هذه الحكومات. اغلب الحكومات الخليجية لا تفكر اصلا في ‏تطبيق الديموقراطية. في البحرين هناك ديموقراطية، لكنها تواجه صعوبات بعضها ‏يتعلق بالحكومة، وبعضها الاخر يتعلق بالتركيبة الطائفية للمجتمع البحريني، والسماح ‏لها بان تكون عاملا مؤثرا في هذه العملية. في الكويت، صاحبة التجربة الاطول من ‏هذه الناحية، دخلت الديموقراطية فيها، وبعد تجربة امتدت لاكثر من اربعين سنة، ما ‏يمكن تسميته بحالة من «الانسداد». يبدو ان هذه الحالة تكشف الحدود الاجتماعية ‏والسياسية لما يمكن ان تصل اليه التجربة الديموقراطية في المنطقة. كان دائما هناك ‏شيء من التجاذب والصراع في الكويت بين البرلمان والاسرة الحاكمة على حدود ‏سلطات كل منهما. ‏
‏ واضاف الدكتور خالد الدخيل المعرف بآرائة الليبرالية ان مجلس الامة الكويتي ‏يحاول تثبيت هذا المكسب حتى يكون نقطة الانطلاق للبناء عليها. والاسرة الحاكمة من ‏جانبها، تحاول ان تضع حدا لهذا النمو في القوة السياسية للمجلس، ووضع حد لسلطاته. ‏وهنا تكون التجربة دخلت عنق الزجاجة. ليس في الدستور الكويتي، مثلا، ما يمنع ‏استجواب رئيس الوزراء، وهو عادة من الاسرة الحاكمة، ولا حتى ولي العهد. لكن ‏التقليد السياسي، ومهابة هذين المنصبين لا يسمحان بذلك. وبالتالي تكون التجربة وصلت ‏الى مرحلة الصدام بين التقاليد الموروثة، من ناحية، وبين نص وقيود الدستور، من ‏ناحية اخرى. والاشكالية هنا ان الديموقراطية لا يمكن تجزئتها. اما ان يسمح لها بان ‏تأخذ مداها، او ان يحصل الصدام، وهوالحاصل حاليا. ‏
‏ واضاف الدكتور خالد الدخيل: اما الاشكالية الاخرى، فان مآل النظام الملكي ‏بطبيعته، وحتى يتسنى له المحافظة على بقائه، ان يقبل في الاخير، وفي لحظة زمنية ‏معينة، بالتحول الى نوع من الملكية الدستورية. هل هذا ممكن في الكويت، باعتبارها ‏الدولة التي اجترحت التجربة الديموقراطية في المنطقة؟ الريادة لا تتوقف عند انجاز ‏واحد، والا تحولت الى نوع من الفلتة او المصادفة. من الطبيعي ان خيار الملكية الدستورية غير مطروح في المرحلة الحالية كمطلب او كخيار، حتى ‏وسط الازمة الحالية. ربما لان الظروف غير مواتية لخيار مثل هذا. لكن في الوقت ‏نفسه تشير الازمة، ضمن ما تشير، الى الاصرار على استجواب رئيس ‏الوزراء، وفي قضايا قد لا تستدعي ذلك، والمغامرة بالدفع باتجاة حل المجلس خلال ‏دورتين متتاليتين لا يفصل بينهما الا اشهرا قليلة.‏

‏كسر التقليد ‏
‏ واشار الى ان هناك توجها لدى بعض القوى في المجلس لكسر التقليد السياسي ‏المحيط بموضوع استجواب رئيس الوزراء. اذا صح ذلك، وخاصة اذا تحقق ذلك ‏الكسر، يكون المجلس يدفع بالتجربة السياسية في اتجاه مداها او مآلها الاخير. ‏ولاشك في ان هذا المآل يمثل مصدرا لمخاوف داخل الاسرة. لا يعني هذا، مرة اخرى، ‏ان الملكية الدستورية هي مطلب ملح الآن، او انها اصبحت على الابواب في الكويت. ‏لا اعتقد ذلك. انا اتحدث عن المآل الاخير الذي لا يعرف احد متى ستصل اليه ‏التجربة، ان كانت ستصل. لكن تطورات الازمة تشير الى حضوره في خلفية المشهد ‏كعامل مؤثر.‏

الحكومة تستغل التيار الديني ‏
• ‏ وحول استغلال التيار الديني للانتخابات؟ وهل يعتقد انهم يمولون الانتخابات من ‏خلال التبرعات الخيرية؟ ‏
‏ - اجاب عندما ناتي الى التيار الديني نواجه حالة تتداخل فيها معطيات وعوامل ‏كثيرة. فهذا التيار ينطوي على مدارس وحركات ومذاهب متعددة. ظهر من بينها ‏مؤخرا تيار مستنير يؤكد امكان، بل ضرورة المزاوجة بين الليبرالية والاسلام. لكن ‏هذا تيار صغير، ولا يزال في طور التبلور. هناك التيار التقليدي وغير المسيس، ‏وغالبا ما يرتبط بالحكومة. ثم هناك التيارات السلفية المتشددة، والجهادية، ‏والارهابية كذلك. من ناحية ثانية، هناك دخول الحكومة على الخط لتوظيف هذه القوة ‏او تلك من داخل التيار الديني لمصلحتها ولضرب قوى اخرى، او ربما لتعميق الانقسام ‏داخل هذا التيار. واخيرا لا ننسى حداثة تجربة التيار الديني مع الديموقراطية. كان ‏الاسلاميون، من دون استثناء تقريبا، يرفضون فكرة الديموقراطية لاسباب عدة: مثل ‏الولاء والبراء، وحرمة حاكمية الشعب امام مبدا ان الحاكمية لله، وتقليد الغرب ‏النصراني..الخ. من الواضح الآن ان اصحاب هذا التيار، او بعضا منهم، ركب ‏موجة الانتخابات.‏

امر واقع
• ولكن هل هذا يعني اخيرا قبول لمبدا الديموقراطية؟
‏- من المبكر الاجابة عن السؤال. في السعودية مثلا قال احد الذين فازوا في ‏الانتخابات البلدية قبل سنتين، وهو من التيار الديني، بانه لا يعتقد بشرعية ‏الانتخابات، لكنه دخلها كأمر واقع. ليس هناك ما يشير الى ان التيار الديني يتبنى ‏خيار الديموقراطية، لا في الكويت ولا خارجها. التجارب في السودان، وفي افغانستان ‏تؤكد ان التيار الديني لا يؤمن بالخيار الديموقراطي خيارا نهائيا. الطائفية في لبنان، ‏والآن في العراق تؤكد كيف ان التمذهب الديني لا يهدد الديموقراطية كتجربة وخيار، ‏بل يهدد وحدة الدولة واستقرارها. وهذا طبيعي، لان هناك فرقا بين الدين كفكرة ‏ومعتقد، ومنظومة ايمانية، وبين الدين كمؤسسة. من هذه الزاوية، لا يتناقض الدين ‏كمعتقد ايماني مع الدولة، لكنه عندما يتحول الى مؤسسة فانه يدخل في حالة تناقض ‏وتنافس معها، خاصة عندما تكون مؤسسة الدين خارج الدولة ومستقلة عنها. ‏والسبب الرئيس لتناقض الدين مع الدولة وفقا لهذا المفهوم ان منطق الدين يتاسس ‏على التقديس، والتمذهب، وبالتالي التمييز والتفريق بين الناس على هذا الاساس. في ‏حين ان منطق الدولة اكثر شمولية وحيادية من ذلك بكثير. لانه يقوم في جوهره على ‏حكم القانون، وعلى مبدا المواطنة المستندة الى القانون، من دون تمييز بين الناس ‏على اسس اثنية، او مذهبية، او مناطقية، الى غير ذلك.‏

التيار الديني يستغل الديمقراطية ‏
واضاف الدكتور الدخيل ان التجربة الكويتية تحديدا لا تكشف بوضوح الموقف ‏الحقيقي للتيار الديني من الديموقراطية هناك. الارجح ان هذا التيار لا يفعل اكثر من ‏انه يستغل التجربة الانتخابية لتحقيق مكاسب سياسية. يصعب جدا تصور قبول التيار ‏الديني لفكرة الديموقراطية من دون تغيير الكثير من ثوابته ومفاهيمه السياسية ‏المناهضة لفكرة الديموقراطية. من دون ذلك سيبقى قبول اصحاب التيار الديني ‏بالديموقراطية، قبولا محدودا، ومشروطا في الوقت نفسه. هو محدود بحدود الشريعة ‏كما يعرفها رموز وقيادات هذا التيار في طول العالم العربي وعرضه. وعلى الآخرين ‏القبول بهذا التعريف وتلك الحدود. وهذا امر بحد ذاته يتعارض مع مفهوم ‏الديموقراطية. لكن هذا التيار يضع شروطا على الديموقراطية، ومنها ألا يؤدي ‏تطبيقها الى تنحية الشريعة. وهذا شرط مطاط ومبهم. هل يبقى مفهوم الشريعة، مثلا، ‏كما هو منذ الامويين والعباسيين؟ ومن الذي يحدد معايير الانحراف في هذه الحالة؟

الكويت تختلف ‏
واضاف: ولكن الكويت تختلف عن الدول التي ذكرتها من قبل. فهي نظام ملكي نشأ ‏على اساس من العقد بين النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية منذ زمن بعيد، ‏وبالتالي فالنظام السياسي الكويتي يتمتع بدرجة كبيرة من الشرعية، وهناك اجماع ‏على شرعية القيادة ممثلة بآل صباح. التيار الديني هو الآن احد ابرز مكونات النخبة ‏السياسية هناك، ومنخرط في اللعبة السياسية حتى النخاع. والارجح انه سيعمل على ‏تكييف التجربة الديموقراطية وفقا لشروطه وحدوده المعروفة. ‏

‏حقوق المراة ‏
• ولكن دكتور خالد هل منح المراة الكويتية حق الانتخاب سيؤثر في المراة ‏السعودية؟
- التجربة السياسية للمرأة الكويتية لا تزال محدودة، ولم تحصل على حقها في الانتخاب الا قبل حوالي سنة من الآن. ومن الصعب تصور أن يكون لذلك تأثير كبير في وضع المرأة في السعودية، خاصة على ضوء فشل المرأة في الانتخابات الأخيرة لمجلس الأمة، وقبل ذلك في الانتخابات البلدية في قطر. مما يؤشر الى العمق الثقافي لموقف المجتمع في المنطقة من حق المرأة، ومن موضوع مساواتها مع الرجل.

حساسية في الليبرالية
• لماذا تخشى الحكومات من التيار الليبرالي الاصلاحي؟
ــ ربما اننا هنا أمام نوع من المفارقة. فالذين ينتمون الى، أو يمثلون التوجه «الليبرالي»، اذا جازت التسمية، هم الذين قامت على أيديهم المؤسسات الحديثة للدولة، خاصة المؤسسة البيروقراطية بشقيها المدني والعسكري. وربما يتلاشى الإشكال في هذه المفارقة عندما نتذكر أن الذين قاموا بهذه المهمة الكبيرة هم الجيل الأول، أصحاب التوجه المنفتح، أو «الليبرالي» اجتماعيا وسلوكيا، لكن ليس بالضرورة فلسفيا وسياسيا. كان ذلك هو الجيل الذي وضع اللبنات الأولى لفكرة ما يمكن أن نطلق عليه، ولو مجازا، التيار الليبرالي في المنطقة. والجيل الجديد الذي جاء بعد الجيل الأول أكثر تسييسا من الذي قبله.
بعبارة أخرى، الجيل الجديد، يتبنى، أو يريد أن يتبنى، «الليبرالية» خيارا سياسيا للدولة، وبالتالي ينقلها من الحيز الفردي الى الحيز السياسي، ومن مجال السلوك الاجتماعي للفرد الى مجال الفلسفة الاجتماعية للمجتمع. وربما لهذا السبب تنطوي مواقفه على الكثير من الحساسية، خاصة في الدول التي ترفض فكرة الديموقراطية، والمشاركة السياسية. ولعلنا نعرف أن الموضوع السياسي لا يزال يحتفظ بحساسيته عربيا وخليجيا أيضا.

إيمان بفكرة الدولة
واضاف من جانب آخر، هؤلاء «الليبراليون» هم الفئة، أو الطبقة داخل المجتمع التي تؤمن ايمانا راسخا بفكرة الدولة الوطنية، أو بشكل الدولة القائمة حاليا في الجزيرة العربية والخليج، وفي بقية أنحاء العالم العربي. ومن هنا فان مطالبهم الاصلاحية من أجل الحرية، والمشاركة السياسية، وصيانة الحقوق، هي مطالب من داخل الدولة، وليس من خارجها. وهي مطالب موجهة من أجل مصلحة تطوير الدولة، وترسيخها كفكرة وكمبدأ، وإطار للجميع، وليس لفئة من دون أخرى. هذه المطالب الاصلاحية الليبرالية تصب مباشرة في مصلحة الدولة: في مصلحة نضجها، وتطورها، واستقرارها. لكن أصحاب المصالح الآنية، والمواقف السياسية الضيقة لايريدون مثل هذه الاصلاحات، لأنهم يعتقدون أنها تهدد مصالحهم هم، وليس مصالح الدولة بالضرورة. ولأن هؤلاء لهم حضور ونفوذ داخل الدولة، فانهم يملكون القدرة على تحييد، وبعثرة تأثير تيار مثل هذه المطالب. هناك أيضا موقف التيار الديني المناهض لهذه المطالب الاصلاحية من منطلقات سياسية متداخلة مع مواقف دينية. وهذا التيار الديني يملك القدرة على اختراق مؤسسات الدولة، والتأثير في مواقفها وسياساتها في الداخل، بشكل خاص. وأخيرا لابد من الاعتراف بأن التيار «الليبرالي» لا يزال حديث العهد، ولم يتمكن من التحول الى أيديولوجيا موجهة لسلوك أصحابه.

تحريك الشارع
• ولكن دكتور خالد كيف تفسر أن التيار الديني يستطيع ان يحرك الشارع؟
ــ أعتقد أنه ليس في الأمر أسرار أو شيء خارج المعهود. في ظني أنه من الطبيعي أن يملك التيار الديني هذه القدرة التي تشير اليها في سؤالك على تحريك الشارع. أولا الثقافة الدينية للمجتمعات العربية التي تشكلت عبر أكثر من ألف وأربعمائة سنة، تحولت الى طبقات متراكمة في وعي، وفي بنية هذه المجتمعات. ثانيا أن الجيل الحاكم حاليا في العالم العربي، كما كانت الأجيال التي سبقته، لايعرف الا الثقافة الدينية التقليدية. ثالثا أن صيغة الحكم التي عرفتها المجتمعات العربية، على الأقل منذ العصر الأموي، تتداخل مع هذه الثقافة بشكل يجعل كل منهما يعتمد في بقائه على الآخر. أقصد بذلك الصيغة التي يسميها الفقهاء بـ«ولاية المتغلب»، وهو مفهوم تم التأسيس له شرعيا من داخل الثقافة الدينية، وأصبح المفهوم السياسي الوحيد الذي عرفته وخبرته أجيال وأجيال في كل مجتمع عربي. ومن هنا تجد التقارب، وأحيانا التحالف، وعلى الأقل القدرة على التفاهم بين الطبقة الحاكمة، وبين التيار الديني. من هنا فأبواب المجتمع مشرعة أمام كل من يتبنى طرحا دينيا. المجتمع مهيأ مسبقا لقبول هذا الطرح، خاصة عندما لا يتصادم مع ثوابت قيم المجتمع وأعرافه.

ظاهرة الإرهاب
واضاف: ولكن برزت اخيرا ظاهرة الارهاب، ومن داخل عباءة التيار الديني. وهذا تطور ليس جديدا تماما، الا من ناحية حجمه وانتشاره الواسع في كل أرجاء العالم العربي.. ما الذي حصل؟ هذا سؤال كبير، ولا يتسع المجال لتناوله بالتفصيل. لكن ربما أن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في المنطقة دخلت طورا مختلفا منذ سبعينات القرن الماضي لأسباب داخلية وخارجية أيضا. من ذلك التغيرات الاجتماعية والسكانية العميقة التي أفرزتها طفرة النفط الأولى، ثم الطفرة الثانية. الانفتاح الذي أخذ يزيح بشكل تراكمي الحدود الثقافية والسياسية بين المجتمعات العربية، وبينها وبين المجتمعات الأخرى. تآكل المؤسسة الدينية التقليدية وتشظيها الى مؤسسات وتيارات دينية مختلفة. هناك أيضا التطورات الكبيرة وتداعياتها التي تركت آثارها على كل من الدولة والتيار الديني: من ذلك مثلا اتفاقية كامب ديفيد، والغزو العراقي للكويت، والاحتلال الأميركي للعراق، والضعف المتزايد للدولة العربية، وترهل مؤسساتها. صار حديث الشارع في السنوات الأخيرة يدور حول فشل هذه الدولة في القيام بمهمتها في حماية الثغور، وادارة العلاقة مع الخارج، خاصة في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، وفشل خيار السلام لحل الصراع مع اسرائيل، وأخيرا تزايد النفوذ الايراني في المنطقة. هذه وغيرها تحولات امتدت تأثيراتها الى العلاقة بين الدين والدولة.، وحداثة الخيار الليبرالي، وقبل ذلك فشل الخيار القومي، كما أشرت.

ايهما أخطر؟
• وهنا سالت الدكتور خالد الدخيل أيهما أخطر على التجربة الديموقراطية القبيلة أم التيار الديني؟
ــ من هذه الناحية، هناك بعض الفوارق بين الاثنين. ذكرت في الاجابات السابقة شيئا عن التيار الديني، وما يمثله من تهديد لمنطق الدولة، ولوحدتها واستقرارها. ربما أن أهم الفروق بين الدين والقبيلة بالنسبة لمستقبل الدولة، أن الدين كثيرا ما لعب دورا بارزا في تأسيس الدولة، أو في التمهيد لقيامها. وبالتالي فخطورة التيار الديني على الدولة ومستقبلها تأتي في الغالب بعد قيام الدولة. لكن الاختلاف بين منطق الدين ومنطق الدولة يبقى كما هو، وبالتالي فهو المصدر الأساسي للتناقض بينهما، ومن ثم لخطر المؤسسة الدينية على مؤسسة الدولة.

القبيلة نقيض الدولة
واضاف بالنسبة للقبيلة فهي نقيض الدولة في كل مراحلها. صحيح أن القبيلة هي الأخرى كانت في الماضي مرحلة من مراحل تشكل وتطور المجتمع، وبالتالي كان لها دور في التمهيد لقيام الدولة. لكن المشكلة بالنسبة للقبيلة أن الانتماء اليها يقوم على أساس النسب، أو علاقة الدم. في حين الانتماء للدولة يقوم على أساس المواطنة بغض النظر عن النسب، أو الفروقات القبلية. ومن حيث أن بنيتها تقوم على النسب، فان القبيلة تنحو دائما الى الانقسام والتشرذم، ومن هنا خطورتها على الوحدة الوطنية للدولة. وبما أن الديموقراطية تعتمد على مفهوم المواطن الفرد، أو على الفردية، فان دخول القبلية في العملية الانتخابية يشكل تهديدا خطيرا للديموقراطية، لأنه يفرغها من مضمونها. وذلك لأن التصويت في هذه الحالة يصبح بالدرجة الأولى على أساس من العصبية، والانتماء الى القبيلة، وليس من المصلحة السياسية والاجتماعية للمواطن الفرد الذي ينتمي أولا وقبل كل شيء الى الدولة. والخطورة هنا أن التمادي في توظيف القبيلة في اللعبة الانتخابية يضعف الدولة باعتبارها الاطار السياسي الجامع. ولعله من الواضح أنه عندما تضعف الدولة تبرز الحاجة للانتماءات الطبيعية الأولية، مثل القبيلة والعشيرة، على حساب الانتماء للدولة.

مصير الديموقراطية الكويتية
• ما مصير الحياة الديموقراطية في الكويت، كونك متابعا لما يجري على الساحة في الكويت؟
ــ تحدثت من قبل عما يمكن أن يخبئه المستقبل للحياة الديموقراطية في الكويت. وأجدني ميالا الى القول ان الطريقة التي تدير بها القيادة السياسية الأزمة التي تمر بها الديموقراطية هناك تتسم بالكثير من الأناة والحكمة. وأقصد بذلك أن هذه القيادة تتعامل مع الأزمة على أنها جزء من العملية السياسية، وبالتالي تحاول ايجاد المخارج من داخل هذه العملية، وبآليات دستورية وسياسية. الملمح الآخر والمهم الذي أخذ يبرز اخيرا في المشهد السياسي الكويتي أن شؤون الأسرة الحاكمة، والمقصود الشؤون السياسية، وخلافاتها أصبحت موضوعا يتم تناوله ومناقشته علنا في الصحف، والديوانيات. وحسب علمي فان هذا التطور بدأ في الأسابيع أو الأيام الأخيرة من عهد الشيخ جابر الأحمد رحمه الله. وهذا تطور لافت ومهم لأنه يأخذ من الهالة والسرية المحيطة بالشأن السياسي للأسرة الحاكمة، ويجعل منه موضوعا عاما، وبالتالي يقرب الأسرة ودورها، باعتبارها أهم المؤسسات السياسية، من التناول الدستوري، والتداول بشأنها في اطار الدستور وحدوده. ربما أن الكويت بهذا التحول تمثل حالة استثنائية في المنطقة. الشؤون السياسية للأسر الحاكمة الأخرى يتم مناقشتها في المجالس الخاصة، وفي كل الدول الخليجية، لكن لا يتم التطرق الى هذا الموضوع في الصحف. وحتى في الكويت فان تناول الشأن أو الخلاف السياسي داخل الأسرة علنا يبقى محدودا، ولا يذهب كثيرا الى ما هو أبعد من السطح. وهذا طبيعي. لكن يبقى أن هذا تحول حميد يساعد في الحفاظ على التجربة وتطورها بشكل طبيعي ومتدرج، ويقرب الأسرة من المجتمع، ويزيد من الثقة بين أطراف اللعبة السياسية، خاصة بين الأسرة ومجلس الأمة.

تنازلات متبادلة
• كيف يمكن الخروج من المأزق السياسي الحالي؟
ــ بحكم طبيعة العملية السياسية لا بد في الأخير من مخرج، ومن تنازلات متبادلة. ربما ينبغي التفكير بشكل جاد في مسائل مثل فصل رئاسة الوزراء عن الأسرة الحاكمة، والسماح بتحول التيارات والتكتلات السياسية داخل المجلس الى أحزاب مثلا. وفي كل الأحوال لابد من قبول المكسب السياسي الذي حققه المجلس، وهو مكسب جاء بشكل تراكمي، وطبيعي، خاصة لناحية أن الأسرة الحاكمة نفسها لعبت دورا في ذلك. وعلى الجانب الآخر يجب ابتعاد المجلس عن السقوط في اغراء المكاسب السياسية، أو محاولة استغلال هذه المكاسب للدفع بالتجربة نحو تخوم قد تهدد مسيرتها، وتتسبب في انفجارها من الداخل. وقبل هذا وذاك لا بد من اخراج كل من الايديولوجية الدينية والقبلية من اللعبة السياسية، وكذلك من المجلس. لا أقصد طبعا بذلك اخراج من يمثلون التيار الديني من المجلس، أو عدم السماح لمن ينتمون الى القبائل بالترشح، وانما أقصد عدم السماح بالتكتل أو التحزب على أساس ديني أو طائفي أو قبلي، وعدم السماح بالخروج عن الاطار الدستوري، والانتماء الوطني. وكل ذلك ربما يحتاج الى تعديلات دستورية تجعل منه أمرا ملزما للجميع.
• ولكن دكتور خالد هل تعتقد أن الديموقراطية الكويتية نموذجية، وقابلة للتصدير الى الدول الأخرى؟
ــ أظنك تقصد بالدول الأخرى، الدول الخليجية. أولا الديموقراطية الكويتية ليست نموذجية. ولا ينتظر منها أن تكون كذلك بحكم ظروف المجتمع الكويتي، وبحكم ظروف المنطقة أيضا. هل التجربة الكويتية قابلة للتصدير؟ الأفكار والمبادئ والقيم عادة ليست قابلة للتصدير كما هي الحال مع السلع. الأفكار والقيم تسافر عبر الحدود، وتمارس تأثيرها في المجتمعات الأخرى ضمن الحدود الثقافية والاجتماعية لهذه المجتمعات. اللافت هنا أن عمر التجربة الكويتية يتجاوز الأربعة عقود، ومع ذلك لم تتمكن من التأثير في جوارها القريب. ربما أن هذا يعود لخصوصية الكويت، وخصوصية الجوار أيضا. وربما أن الحجم السياسي والاقتصادي للكويت لم يساعدها كثيرا في هذا المجال. لاحظ أن الكويت من الدول الخليجية التي لها نشاط كبير في مجال المساعدات الاقتصادية للدول العربية الأخرى. ومع ذلك لم تسافر القيم السياسية الكويتية مع مساعداتها الاقتصادية الى تلك الدول. يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة الى الدول الخليجية الأخرى. ولعل تجربة الغزو العراقي للكويت، والانقسام العربي حيالها كانت مريرة، لناحية أنها كشفت حجم المفارقة في الثقافة السياسية العربية من هذه الناحية تحديدا.

لا لتصدير الديمقراطية الكويتية
واضاف الدكتور الدخيل: حاليا دخلت التجربة الكويتية، كما ذكرت، حالة من الانسداد، والتوتر. دخلت القبيلة، ومعها التيار الديني الى هذه التجربة، وبرزت أحيانا حالات من الاحتقان الطائفي. بمثل هذه المواصفات لا تفقد التجربة الكويتية قدرتها على التأثير في الآخرين، وهي قدرة محدودة على أي حال. لكن الأكثر من ذلك أنها قد تمثل ضربة موجعة للتيارات الاصلاحية في دول الجزيرة العربية والخليج. والغريب في الأمر هو اللحظة الزمنية التي وصلت فيها التجربة الكويتية الى هذا المنحنى، وهي بذلك تتضافر في سلبياتها مع التجارب العربية الأخرى: في لبنان، والعراق، واليمن، والبحرين. عندما تأخذها مع بعضها، تقول لك هذه التجارب ان مطالب الاصلاح في اتجاه الحرية، والمشاركة السياسية تقود الى مزيد من الاحتقان الطائفي، والانقسام القبلي، وعدم الاستقرار السياسي، وبالتالي الى اضعاف الدولة، وفقدانها للسيطرة على الوضع. هذا في حين أن الهدف من تلك المطالب الاصلاحية هو ترسيخ فكرة الدولة، وفكرة الوحدة الوطنية. التجربة الكويتية بوضعها الحالي، مضافة الى التجارب الأخرى، تقول ان الاصلاحات هي الطريق الخطأ نحو ذلك الهدف الكبير والجميل.

ترويض القبيلة
• ولكن هناك من يقول ان الدولة تعمل على ترويض القبيلة؟ وكيف؟
ــ من الطبيعي في منطقتنا العربية أن تعمل الدولة على توظيف القبيلة لتحقيق أهدافها. والأرجح أن الدولة تريد بذلك ترويض القبيلة، واخضاعها لسلطة الدولة. القبيلة، كما ذكرت هي نقيض الدولة. والدولة تغار كثيرا على حقها الحصري في أن تكون المصدر الوحيد للسلطة في المجتمع، وأن تكون المؤسسة التي تنحصر فيها شرعية استخدام العنف، أو التلويح باستخدامه. الاشكالية أن الدولة قد لا تريد القضاء تماما على فكرة القبيلة، أو الأيديولوجيا القبلية، وذلك من أجل الاستمرار في توظيفها لمصالح سياسية ضيقة. وفي هذه الحالة قد تذهب الدولة بعيدا في هذا المنحى، لأنها تضع نفسها وتضع المجتمع أمام حالة من الانفصام والتناقض بين الدولة والقبيلة. وفي هذا الاطار يصبح من الطبيعي أن تخرج أصوات تدافع عن القبيلة بأسماء ومبررات شتى، بل وبمبررات دينية أيضا. هنا تكون الدولة قد وفرت المجال، أو المنبر وسمحت للقبيلة، بوعي أو بدون وعي لا فرق، باستخدامها كسلاح سياسي وأيديولوجي للحفاظ على بقائها كفكرة حية، وكأيديولوجيا قادرة على التعبئة والاستقطاب. بمثل هذه السياسة تكون الدولة تضرب نفسها في مقتل، ودون الانتباه الى خطورة فكرة القبيلة على فكرة الدولة، وعلى الوحدة الوطنية. والغريب أن هذا يحصل في اللحظة التي تعرضت فيه القبيلة في الجزيرة العربية والخليج للتصدع البنيوي تحت وطأة الاستقرار والتحضر، وقيام الدول. حلت الدولة محل القبيلة، وانحصر وجود الأخيرة في سلسة النسب وأشجارها، أو في بعدها الأيديولوجي. لكن يبدو أن الدولة التي نشأت في مجتمع قبلي، واستخدمت القبيلة من أجل تحقيق مشروع قيامها فشلت في الخروج من اللحظة الثقافية والحضارية للقبيلة، ولنشأتها. وهذا ينطبق حاليا، وان بدرجات متفاوتة، على كل الدول العربية تقريبا.
        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS