كتب إبراهيم المليفي:
في نقد التيار الليبرالي تنبري أقلام كثيرة تبغي تحقيق الشهرة السريعة أو دخول الجنة، ذلك أن الركون الى الموروث والمعتاد من تراث الانقياد من ناحية، وتراجع قيمة العمل والثقافة في ظل الرخاء الاقتصادي الذي توفره عائدات المورد الناضب، خلق بيئة معادية لهذا النوع من التفكير الحر وكل من يتبناه.
وظل هذا التيار منذ منتصف السبعينات يواجه حملة تصفية ممنهجة من قبل السلطة بغرض التخلص من قوى المعارضة التقدمية التي نجحت في وضع دستور 1962 الذي يؤسس لنظام ديمقراطي قائم على المشاركة الشعبية في ادارة شؤون الدولة، وآليات تكفل فاعلية تلك المشاركة. هنا قراءة نقدية مختلفة في أوضاع التيار الليبرالي مصدرها طرف ناشط من داخل هذا التيار والقوى المنتمية اليه.
نصف الحقيقة
ولا يمكن انكار نجاح السلطة في تقليم قوى المعارضة وتجفيف منابعها طوال العقود الثلاثة الماضية، فمن تعطيل العمل بالدستور بعد حل مجلس الأمة عام 1976، وحل مجالس ادارات الجمعيات والروابط التي تسيطر على المعارضة، وتفعيل قانون التجمعات وفرض الرقابة على الصحافة، وصولا الى أخطر وسيلة وهي اطلاق عنان الرعاية الحكومية للتيار الديني لكي يملأ الفراغ في مختلف الساحات. وبعكس ما سعت اليه السلطة تمكنت قوى المعارضة من الصمود والمحافظة على وجودها آنذاك، وحتى الخسارة القاسية التي منيت بها في انتخابات 1981 بعد تفتيت النظام الانتخابي الى 25 دائرة، تمكنت المعارضة من تحقيق نجاحات عريضة في انتخابات 1985، دفعت ثمنها باهظا عندما أقدمت السلطة مجددا على تعطيل الحياة البرلمانية للمرة الثانية ليخفت من جديد صوت المعارضة التقدمية العاقلة.
كل ما سبق وهناك الكثير، لا يعني أن الظروف التي أدت الى تراجع وانحسار قوى المعارضة التقدمية أتت من عوامل خارجية، بل أن هناك عدة عوامل داخلية ساهمت باضعافها والتقليل من انتشارها.
انفراج الأوضاع
لم تكن السلطة ضاغطة بالشدة نفسها طوال الوقت على قوى المعارضة، كما أن أنها لم تكن السبب المباشر في حالة الخصام الشديد بين ذلك التجمعين، ويمكن القول انه في مرحلة ما بعد تحرير الكويت، ولاحت بين فترة وفترة فسحة للعمل، أفضلها في مرحلة ما بعد تحرير الكويت، نظرا لالتزام السلطة النسبي بالعمل بالدستور مقارنة بالمراحل السابقة، مع بقاء الرعاية الحكومية للتيار الديني، الذي شب عن الطوق، ولم يعد بحاجة سوى الى التغطية السياسية بعد أن سقطت هيبته الدينية.
في المقابل ظلت قوى المعارضة التقليدية تمارس أسالبيها القديمة نفسها في التكتيك والانتشار، ويحسب لها نقطتان أساسيتان هما تجاوز خلافات الماضي وتأسيس المنبر الديموقراطي كجبهة تضم الجميع، والثانية هي الدخول بثمانية مرشحين في انتخابات 1992. وهي قفزة يتيمة لم تتكرر مرة أخرى وبعد خمس سنوات فقط، أي عام 1997، ظهر التجمع الوطني الديموقراطي كتجمع ليبرالي جديد يحمل قواسم مشتركة كثيرة مع المنبر الديموقراطي مع تباينات في بعض المسائل الاقتصادية المرتبطة بهيمنة الدولة على بعض القطاعات.
نقاط مباشرة
وقد عانت التجمعات السياسية الليبرالية من عيوب داخلية مزمنة تفاعلت مع أوضاع الساحة السياسية المناهضة لها، لتخرجها في أغلب الأحيان من حسابات السلطة السياسية التي بدأت تعاني من تعاظم نفوذ قوى التيار الديني - القبلي.
ويمكن تلخيص هذه العيوب الداخلية في نقاط أساسية وحيوية على النحو التالي:
أولا: اختصار العمل السياسي بانتخابات مجلس الأمة فقط، والعزوف عن المشاركة في انتخابات المجلس البلدي أو النقابات العمالية وجمعيات النفع العام. واهمال الأنشطة الاجتماعية. وهو ما حرم هذا التيار من فرصة اكتشاف مواهب وصقل وقدرات أعضائه.
ثانيا: عدم تطبيق شعار تداول السلطة وحصر الترشح والدعم لمجموعة من الأسماء لفترات طويلة، الأمر الذي جعل من التجمعات الليبرالية لجانا انتخابية على الحقيقة تحمل مسمى تجمعات سياسية. ناهيك عن تسرب أفضل العناصر المؤهلة لخوض الانتخابات.
ثالثا: البعد عن العمل السياسي في المناطق المسماة خارجية واعتبارها مناطق مغلقة. وترك الساحة خالية للتيار الديني الذي تحرك بحرية في تلك المناطق.
رابعا: اهمال اعداد الصف الثاني من القيادات، وقد حدث أن تم ادخال بعض الوجوه الشابة في فترة التسعينات مما فتح المجال لعناصر شبابية، ولكن ظل القرار النهائي بيد الحرس القديم الذي يعرف كيف يمرر ما يريد من قرارات مستخدما نفوذه الأبوي وتاريخه العريض.
محاولة أخيرة
لما كان من آثار سلبية ناتجة من العيوب الداخلية في التجمعات الليبرالية، خاصة بعد صدمة خلو مقعد المرحوم النائب السابق سامي المنيس في عام 2000، وضرورة المشاركة في انتخابات العديلية التكميلية، بدأت المشاورات المكثفة لخلق اطار جدي يجمع وينظم أمور كل القوى الديموقراطية والمستقلين، وقد لاقت هذه التحركات قبولا غير مسبوق بسبب اتساع نطاق المشاورات واختيار شخصيات لها قبول واسع بين المجاميع الليبرالية، وانتهت تلك الجهود بتأسيس التحالف الوطني الديموقراطي.
لقد كان الطموح لدى الكثيرين أن يكون التحالف الجديد بديلا لكل التجمعات الموجودة وبموافقتها وقد ترجم ذلك خلال التفاعل الواسع مع أنشطة التحالف المختلفة.
ويسجل للمنبر الديموقراطي والتجمع الوطني الديموقراطي قبل أن يختفي عن الساحة، أنهما أفسحا المجال للتحالف كي يعمل على الساحة على أساس أنهما شريكان في أعماله. وجاءت حركة المطالبة بتعديل الدوائر الخمس (نبيها خمسة) لتؤكد على حضور التحالف على الساحة الليبرالية بالدرجة الأولى.
ومع انطلاق قناة «نبيها تحالف» الفضائية في انتخابات 2006 بدا أنه لا يوجد منازع للتحالف من التيارات الاخرى.
وفي المنبر الديموقراطي
نشأت وجهات نظر متذمرة داخل المنبر الديموقراطي تعيب على حالة تغييب المنبر لمصلحة أي تيار سياسي آخر حتى لو كان مظلة للجميع، وقد غذى هذه الآراء شعور بأن التحالف الوطني الديموقراطي لم يعد يستشير أحدا في أعماله ومواقفه، وجاءت انتخابات 2008 لتفجر الخلافات بين عدة أطراف عديدة حول آلية اختيار مرشحي التحالف في الدائرة الثالثة. وهو ما أوصل الأمور الى حالة من الفتور الشديد بين التحالف وشريكه الأساسي المنبر الديموقراطي الذي يحضر قرار فك ارتباطه مع التحالف خلال فترة قريبة.
الأمثلة المزعجة
قدم كل من الدكتور احمد الربعي وعلي الراشد وصالح الملا المثال الحي على فقدان بعض التجمعات الليبرالية القراءة السليمة للساحة الانتخابية، فالربعي استبعد رغم شعبيته الطاغية من ترشيحات المنبر الديموقراطي في انتخابات الدائرة الثامنة عام 1992، وقد اختار خوض الانتخابات منفردا في الدائرة الثامنة ليحصل على المركز الأول، وعلي الراشد كان يطمح لخوض تكميلية 2000 بعد خلو مقعد المنيس، لكنه لم يستطع تجاوز تراتبية مرشحي المنبر وآثر الابتعاد، إلا أنه تمكن لاحقا من تأكيد قدراته عندما فاز للمرة الأولى في الدائرة الخامسة وفق نظام الدوائر الخمس والعشرين، في انتخابات 2003، ورغم عدم حصول صالح الملا على دعم التحالف الوطني الديموقراطي فقد تمكن من الفوز منفردا في انتخابات 2008، في حين لم يحالف الفوز قائمة مرشحي التحالف.
تيار لنشر التسامح
لم تعد عودة التيار الليبرالي إلى الساحتين السياسية والاجتماعية، مطلبا لأعضائه فقط، بل الأمر أصبح حاجة ماسة من قبل السلطة السياسية، ليس حبا في ذلك التيار، ولكنها وجدت في ذلك التيار ضرورة لنشر قيم التسامح وتعزيز المواطنة التي فقدت الكثير من تألقها بعد أن احتمت كل فئة اجتماعية أو طائفية بدرع القبيلة أو الطائفة بدلا من الدولة.
كما تدهورت الأمور بعد أن عبأت الساحة المحلية بالأفكار المتطرفة والطروحات الطائفية، لدرجة اتهام الكويت بدورها في دعم ورعاية الإرهاب، ثم دخول الكويت في نفق العمليات الإرهابية واستهداف أرواح الأبرياء سواء على الصعيد الداخلي أو المشاركة في مناطق التوتر التي تشهد حضور لافتا لتنظيم القاعدة.
ان الأزمة التي تعيشها السلطة من شقين، الأول أنها فقدت السيطرة على زمام الجماعات والتجمعات الدينية، والشق الثاني هو البديل الذي سيعينها على تحمل عبء تغيير الثقافة السائدة في المجتمع نحو المزيد من الانفتاح، والانكى أن هذا البديل لا يقبل سوى بعلاقة ندية مع السلطة. والا يحدث تطور ايجابي في أي الشقين يبقى التيار الليبرالي متأرجحا ما بين الغياب والتغييب.