عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الثلاثاء 27 يناير 2009 ,30 محرم 1430 , العدد 12810 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 27/01/2009
قبس من لبنان 93
الشعر الرئاسي للوطن لا للحاكم
كتب هنري زغيب :
بعد انتخاب جون كيندي الرئيس الحادي والثلاثين للولايات المتحدة عام 1960 طلب من والده جوزف ان يتصل بصديق عمره الشاعر روبرت فروست (1874 ــ 1963) ليسأله كتابة قصيدة يلقيها في احتفال تنصيب الرئيس، فاعتذر فروست إلى صديقه جوزف بعبارته الشهيرة: {ابنك رئيس اميركا ست سنوات، وانا شاعر اميركا كل العمر}، ورفض المشاركة. وتحت إلحاح الرئيس المنتخب على والده، عاد هذا يرجو صديقه الشاعر الا يرفض هذا الطلب (الجديد من نوعه يومها) وان يلقي شاعر اميركا الوطني قصيدة في احتفال تنصيب الرئيس. واخيرا رضي فروست، فحمل سنواته الست والثمانين وجاء الى ساحة واشنطن الكبرى (20 ــ 1 ــ 1961)، وألقى قصيدته {التفاني}، والى جانبه الرئيس الشاب المنتخب.
وبعد انتخاب بيل كلينتون الرئيس الثاني والاربعين (1992)، وكان شديد التأثر بسلفه جون كيندي، طلب من الشاعرة الاميركية مايا انجلو (1928) ان تلقي قصيدة في احتفال تنصيبه، فجاءت الى الساحة نفسها (20 ــ 1 ــ 1993) وألقت قصيدتها {على نبض الصباح}.
وبعد انتخاب باراك اوباما الرئيس الرابع والاربعين (2008)، وكما ليواصل، كسلفيه كيندي وكلينتون، اهمية الشعر والادب في مسيرة الحكم، طلب من الشاعرة الاميركية اليزابيت ألكسندر (1963) ان تلقي قصيدة في احتفال تنصيبه، فجاءت الى تلك الساحة (20 ــ 1 ــ 2009) وألقت قصيدتها {أغنية تسبيح للنهار}.
الشاهد الاول من هذه النماذج الثلاثة ان قصائدهم لم تأت على ذكر الرؤساء الواقفين الى جانبهم، والذين كانوا هم من طلبوا منهم القاء قصائدهم في هذا النهار التاريخي امام مئات الآلاف في الساحة، ومئات محطات الاذاعة والتلفزيون في العالم، وهي فرصة لا تُعطى لشاعر يمضي عادة حياته كلها يحلم بايصال شعره الى اوسع مساحة من متلقيه، ولا تُعطى لحاكم يمضي سنوات حكمه يحلم بإيصال المديح فيه الى شعبه وازلامه ومحاسيبه.
والشاهد الثاني ليس الحكم على النسيج الشعري لتلك القصائد (روعة قصيدة فروست، والتماعات قصيدة مايا انجلو، ونثرية قصيدة الكسندر)، فليس هنا مكان الحكم عليها، انما للدلالة على ان اولئك الشعراء لم يتحدثوا في قصائدهم عن الحاكم، بل عن الوطن، الوطن الانسان، الوطن الارض، الوطن التاريخ، الوطن التراث.
والشاهد الثالث ليس التشبه بالاميركيين و{ديموقراطيتهم}، التي نتابعها بـ {اوتوقراطيتها} السافرة و{توتاليتاريتها} المقنّعة و{استعراضاتهم} الكاوبووية وراء ستارة العفوية والشعبية والجماهيرية، ولكن الذي نألفه في هذا العالم العربي، ان معظم الحكام يستقبلون (لا يستدعون ولا يطلبون) معظم الشعراء لتقريظهم ومدحهم والتحوّل الى شعراء بلاط، تماما كموظفي الحاشية المأجورين، وتماما كما ايام الخلفاء والامراء والملوك في العصور القديمة والوسيطة، ويحصل احيانا (على ندرة هذه الــ {احيانا})، ان يتغير الحاكم (يطيحه انقلاب او موت) فيطيح معه شعراء البلاط ويصبحون {شعراء العهد البائد}.
الشاهد الاخير ان الحاكم زائل مهما كان، والشعر باق أيا كان. واذا كان تنصيب رئيس اكبر دولة في العالم لم يستأهل من الشعر الاميركي سطرا واحدا، بل الذي استأهل هو الوطن الاميركي، فالاحرى بالشعر العربي ان يتخلّص من {شعراء البلاط} فتكون {الديموقراطية} الاميركية (على دكتاتوريتها) نموذج {اوتوقراطية} شعرية يحتذيها الشعراء العرب كي يعوا ان الشعر لا يليق الا بالوطن والشعب، وقلما يستأهل اي حاكم ذكرا واحدا في بيت شعر.

بيروت ــ هنري زغيب
odyssee@cyberia.net.lb
        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS