بقلم: عبدالحميد منصور المزيدي*
جاءت رغبة دولة الكويت في تأسيس مركز مالي بمبادرة من صاحب السمو امير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح لتُعيد مجد الكويت لسوقها المالي الذي برز الى الوجود سنة 1959 قبل اي دولة خليجية، وتعيد ايضا مجدها التجاري الذي اشتهرت به الكويت منذ الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي قبل اخواتها من الدول الخليجية، ودورها التجاري البارز كميناء وممر تجاري لاعادة تصدير البضائع الى المملكة العربية السعودية والدول الخليجية الاخرى والعراق وايران وذلك لعدم توافر البنية التحتية آنذاك من موانئ وطرق وخدمات لوجستية في تلك الدول.
حكم رشيد وشعب متآزر طموح
حظيت الكويت بحكم رشيد في عهد كل من الشيخ احمد الجابر الصباح، ثم عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي ارسى الحكم الديموقراطي في دولة الكويت واستمر الحكم الرشيد والشعب المتآزر في عهد الشيخ صباح السالم الصباح وعهد الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح، ولكنهما بدآ ينوءان بأعباء وتعقيدات مستجدات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي جلبتها حياة الرفاه الاقتصادي بفضل الثروة النفطية وتعقيدات الممارسات الديموقراطية ثم تداعيات ازمة المناخ المالية 1982 والغزو العراقي 1990، وقد واكب عهود الحكم الرشيد هذا، شعب متكاتف ومتحاب ورجال اعمال عصاميون ومبادرون بمعنى الكلمة، حتى انهم كانوا يفضون نزاعاتهم بأنفسهم عن طريق لجان انشأوها بمبادرات خاصة منهم، ثم تأسست غرفة التجارة والصناعة على ايدي رجال بررة نذكر منهم على سبيل المثال، المرحوم عبدالعزيز الصقر، والمرحوم يوسف الفليج، ورجال من عائلات النصف والزيد وآخرون، حيث كانت الامور تسير بسلاسة ويُسر. حتى ان سلوك ومعاملات التجار اصبحت تقاليد ومراجع قانونية يُستشهد بها، وادمجت في القوانين التي شُرعت بعد ذلك، وكان ينطبق على كثير منهم الحديث الشريف: «رحم الله امرأ سمحا اذا باع سمحا اذا اشترى وسمحا اذا اقتضى (تقاضى)». ويشار الى ان ادارة الجمارك والموانئ حظيت برجال مخلصين اداروا جهازي الجمارك والموانئ بتفان نذكر منهم: المرحومان عبدالوهاب الجسار وعبدالسلام الشعيب ومحمد قبازرد وآخرون حيث كانوا يسهلون معاملات التجار وكأنها معاملاتهم، حتى انهم كانوا يتجاوزون الروتين والاجراءات المطلوبة اذا رأوا انها تجنب الضرر للتجار وبضائعهم.
تأسيس البورصة
وفي هذه البيئة المتعاونة والمتناغمة والعيش الرغيد تأسس سوق اوراق الكويت المالية سنة 1959 بمبادرة فردية من مقدم هذا المشروع، عبدالحميد منصور المزيدي، ثم اخذ سوق الاسهم يخطو خطوات سريعة جبارة، شجعت على تأسيس عدة شركات مساهمة وجذب سماسرة من سوق العقار، ومهن اخرى ومتعاملين «متاجرين»، ومستثمرين باسهم الشركات ما كانوا يعرفون معنى سهم او شركة مساهمة. وكانت مبيعات الاسهم تتم من دون توثيق، بل بمجرد الاعتماد على كلمة البائع والمشتري والثقة المطلقة بينهما، ويتم تسجيل الاسهم المباعة باسم المشتري ويدفع ثمنها البائع من دون اي مشاكل، والجميع كانوا يحافظون على سمعتهم وحسن سلوكهم، اذ لو اخل تاجر بالتزاماته، فسيطلق عليه المجتمع التجاري «رصاصة الرحمة». ثم اخذ السوق ينظم نفسه بنفسه، فابتكر قسائم البيع والشراء ليوقع عليها البائع والمشتري، واخذ السوق ينمو ويتطور الى ان حلت ازمة المناخ ثم تأسست بعدها بورصة الكويت للاوراق المالية 1983. وقد ارسى قوانينها ونظمها واجهزتها الادارية الصديق خالد علي الخرافي، ومن المفيد ان نذكر ان ازمة مالية قد حصلت في سوق الاوراق المالية 1978 قبل ازمة المناخ 1982، فاعلن وزير المالية عبدالرحمن العتيقي، انذاك، ان وزارة المالية مستعدة لشراء اي سهم يرغب في بيعه المتعاملون باسعار حددتها الوزارة، فكان له ما اراد وكان للسوق الاستقرار من دون خلافات وتجاذبات بين اجهزة الحكم ومجلس الامة. الامر الذي لا يقارن بما استجد من تعقيدات الممارسات الديموقراطية، على الرغم من تفهمنا وتقديرنا لها، وحرصنا على دوامها، فان الممارسات الديموقراطية السلبية التي تتفاوت من بلد ديموقراطي الى بلد ديموقراطي آخر تشوه القصد النبيل المرجو منها. فلنقارن بين هذا المسعى باتخاذ القرارات الحاسمة، بالمحافظة المليارية التي وعدت الحكومة بضخها في سوق الاوراق المالية الحالي المتأزم. فسنجد ان خلافات بين الذين سيشتركون بهذه المحفظة (محفظة مالية المقصود منها دعم السوق) ومن سيكون المسؤول عنها، وما هي القوانين التي تنظمها، وفيما اذا كانت كافية، واي من اسهم الشركات تدعم عن طريق شرائها، وعدالة التنفيذ المفروض ان يسود في حكم ديموقراطي متقدم لم يكن ليرقى الى مستوى العدالة والسماحة التي كانت تسود ثقافة المجتمع الكويتي آنذاك، وتقاليده.
وبممارسة الكويت الحياة الديموقراطية وتسارع الحركة التجارية واعمال المقاولات وتعقيداتها واقامة بعض الصناعات وازدياد عدد المواطنين بالتكاثر والتجنيس، وتزايد عدد الوافدين بسرعة مذهلة اربكت المجتمع الجديد، واثقلت كاهل الجميع، افرادا ومؤسسات وحكومات متعاقبة حتى القت هذه المسؤوليات والواجبات بضلالها على الحكومات المتعاقبة ومجلس الامة الذي تشابكت وجهات نظر ومصالح اعضائه.
هذه مقدمة مختصرة للحكم الرشيد والحياة البسيطة والطيبة والمزدهرة التي كانت تحتضن الكويتيين، اردنا ان نقارنها مع المجتمع الحديث وتعقيداته وامكان تمرير المشاريع المهمة مثل مشروع مركز الكويت المالي والتجاري وما يتضمنه من مشاريع متلازمة ومتداخلة وما ينتظر ان يلاقيه المشروع من عقبات في التشريع من قبل مجلس الامة وتعثر في التنفيذ من قبل الحكومة.
المجتمع الحديث وتعقيداته
نأتي الآن لنلقي الضوء على رغبة الكويت بتأسيس مركز مالي وتجاري متطور يوازي بل وينافس مراكز مالية اقليمية، قائمة، كالتي في البحرين ودبي وقطر. تشير الدراستان، اللتان اطلعت عليهما، الى ان احداهما اعدت من قبل البنك المركزي الكويتي والاخرى من قبل شركة ماكنزي، باشراف البنك المركزي الكويتي، وركزت الدراستان على الدور القطري Niche Market الذي سيقوم به المركز المالي و«التجاري» الكويتي مثله مثل المراكز المالية الخليجية الاخرى، وقد جاء في الدارستين عدة امور، نذكر منها ما يهمنا ذكره بالنسبة للمشروع الذي نحن بصدده، باختصار شديد:
- ان الكويت تأخرت في تأسيس مركز مالي مقارنة بدول خليجية اخرى سبقتها العمل في هذا المضمار وهي في البحرين (تأسس 1973) ودبي (2004) وقطر (2005). وكل من هذه المراكز المالية هو مركز مالي بمنزلة Niche Financial Center وكلمة Niche تعني زاوية او دكانا او كوة «مصلحة» جزئية او نشاطا جزئيا مكملا ضمن قطاع مالي او تجاري، وتعني في هذا المقام ان دور اي من المراكز المالية السابقة الذكر هو دور قُطري يقوم بدور تكميلي لمركز مالي قُطري آخر مثله، وربما ارتبط احدهم او كل واحد منهم بمركز مالي اقليمي اكبر منه او دولي اكبر من الجميع. وضربت الدراسة مثالين، احدهما: بوسطن كمركز مالي قُطري او اقليمي مرتبط بمركز مالي دولي هو نيويورك، والآخر: مركز مالي لدبلن كمركز قُطري او اقليمي مرتبط بمركز مالي دولي هو لندن.
ولنا ان نقارن، بقصد المفاضلة، انه ان كان الغرض من تأسيس مركز مالي كويتي قُطري سيرتبط بمراكز مالية قُطرية خليجية اخرى، من الحجم والنوع نفسيهما والتي وصفتها الدراسة بان كلا منها ايضا مراكز مالية قُطرية من الضروري ان ترتبط بمركز مالي اقليمي او دولي كي تستطيع ان تؤدي الدور المطلوب منها. بعد هذا التعريف الموجز يجوز لنا ان نتساءل هل هدفنا هو تأسيس مركز مالي قُطري عبارة عن كوكب يدور في فلك نجم، او نجم تدور حوله كواكب؟ وما الداعي الذي يضطرنا ان نركن الى دور كوكب لا تؤهله مقوماته للحياة والنمو وعرضة لان تبتعله النجوم، اي المركز والمراكز المالية الدولية طالما انه باستطاعتنا ان نبرز كنجم فعال متنام.
ولكي يكون المركز المالي والتجاري «الكوكب» الكويتي ناجحا وقابلا للتطور حسب ما تضمنته الدراستان، فالمطلوب هو «قيامة»، اي كم كبير وجهد مضن، من التشريعات والقوانين والضوابط وانشاء مؤسسات وموانئ وطرق وجسور وقوات أمن مناسبة وتهيئة بيئة اجتماعية تتماشى مع ما سيجد على البلد من موظفين اجانب ذوي مستويات عالية لهم ولعائلاتهم وللبنوك والبيوتات المالية الاستثمارية الاجنبية والخدمات المساندة، وبعد انجاز كل ذلك، والذي يمكن ان ينجز، كما سنرى، تصبح الكويتNiche Financial Center كوكبا يحاول ان يجد له مدارا يدور حول نجم آخر.
لا يمكن، بل قد يكون من المستحيل انجاز هذا المشروع والمهام العظام المتلازمة والمتداخلة معه في ظل مثل هذه الحكومات المتعاقبة غير الفاعلة ومجالس امة متنافرة ومشاكسة خلال المستقبل المنظور.
ما إمكانات إنشاء مركز مالي وتجاري كويتي؟
قبل كل شيء يجب ان نتعرف على واقعية الظروف والبيئة التي تعمل فيها كل من الحكومة ومجلس الامة في الوقت الحاضر، فالحكومات السابقة التي عاصرت دورتين او ثلاث دورات من مجلس الامة لم تكن بالكفاءة والمستوى المطلوبين اللذين يمكنانهما من اتخاذ قرارات حاسمة وانجاز تشريعات رئيسية واقرار مشاريع عدة يتطلبها المركز المالي والتجاري، بوجود مجلس امة، في دوراته الاخيرة، متنافر في اتجاهاته ومتناقض في مصالحة السياسية والاقتصادية والقبلية والفئوية والمذهبية، وهو مجلس الامة، لم ينجز المشاريع التي في ادراجه منذ الدورة او الدورات السابقة، فكيف به وانجاز مشاريع جديدة - مثل المركز المالي والتجاري - التي ستتيح لاعضاء المجلس الفرصة لتصيُّد مصالح جديدة يحاول كل عضو ان يفيد نفسه وناخبيه ومقربيه، او الانغماس في مناقشات بيزنطية.
وفي تقديرنا، ان البنى التحتية والتشريعية والتنظيمية المطلوبة لاقامة مركز مالي وايضا تجاري - لبلد يكاد يكون في «غرفة انعاش» - امر مستحيل، وقد تبقي المصالح المتناقضة هذا المشروع في غرفة الانعاش، الى ان يشاء الله، شأنه شأن غيره من المشاريع.
من وجهة نظرنا، نرى ان تأسيس مركز مالي علي مستوى قُطري ليس في مصلحة الكويت، ولا حتى في مصلحة الدول الخليجية الاخرى ومراكزها المالية، كالبحرين ودبي وقطر، وذلك للاسباب التالية:
لن تتمكن مراكز المال الخليجية من النمو المأمول لها بحكم حجم اسواقها الصغيرة مع ما سيصاحبها من تنافس مكلف على الموظفين ذوي الكفاءات واستقطاب البنوك والبيوتات المالية والاستثمارية، اذ ان المؤسسات التي ستتواجد في مركز قُطري خليجي لن تتواجد في مركز قُطري خليجي آخر، الأمر الذي سيجعله «معاقا» مهنيا وغير مجد ربحيا في ظل هذا التنافس، ومن ثم بقاء المراكز، الكويكبات، الخليجية في مدار نجم اقليمي اكبر، وهو غير موجود، او دولي اكبر من الجميع كلندن او نيويورك ونكون، بعد طول عناء، فسرنا الماء بعد الجهد بالماء! ويمكن الاستعاضة عن هذه المراكز عن طريق تطوير كل دولة مؤسساتها المالية الحالية وتطوير بيئتها المالية والاستثمارية وان تعيد النظر في تشريعاتها مكتفية بمركز مالي عربي يضم ويخدم الجميع، والعبرة ليست باكتساب سمعة «زائفة» التي قد يباهي بها هذا البلد او ذاك بمجرد تأسيس مركز مالي بالاسم لا بالنتائج المرجوة، وعلى حسابها وحساب المصالح العربية الاخرى، المطلوب من دول الخليج ومؤسساتها المالية ان تلغي من تفكيرها «وانطباعاتها الخاطئة عن نفسها»، انها بلدان ومؤسسات ثرية، اننا لسنا كذلك، ويجب علينا الا ننساق وراء تخيلات وممارسات «حديثي النعمة» التي نعيشها، فلنقارن رأسمال اكبر مصارفنا ومؤسساتنا برأسمال المصارف والمؤسات الاميركية والاوروبية المليارية التي انهارت وذابت كما تذوب جبال الجليد، كيف بشركاتنا ومؤسساتنا الوليدة!
وفي ظل وجود عملة خليجية واحدة وبنك مركزي خليجي موحد لن تنسق اعمال هذه المراكز القطرية بعضها مع بعض، وتثير متاعب كبيرة بينها وبين البنك المركزي الموحد من جهة، وحكوماتها من جهة اخرى، وربما ادت الى نزاعات بين المؤسسات المالية لهذه الدول وانحياز بعضها ضد بعض، الامر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف الى اقتصار دول الخليج، ان عادت الى رشدها على مركز مالي واحد.. ومتى؟ بعد تبديد الاموال واضاعة الوقت، وتضميد الجراح.
من الضروري جدا ان يتمعن القارئ بما تقدم قبل ان يقفز الى النتائج لقراءة ما يأتي من فقرات.
1 ــ مركز تجاري كويتي
نرى انه من منطلق واقعي وعملي ان نجزئ المشروع، المركز المالي والتجاري «الكويتي»، الى جزأين:
الاول، مركز تجاري كويتي:
وهو بحكم ضرورة وجود اي مركز تجاري في جغرافية البلد المعني وهو في هذه الحالة دولة الكويت، والبنى التحتية واللوجستية والتشريعات والنظم والمؤسسات اللازمة متوافرة في الكويت، ومعمول بها في الوقت الحالي، والمستجد منها من توسعة وتطوير يمكن الاضافة اليها او انشاؤها من اساسها، ومشروع المركز التجاري الكويتي هو مشروع يندرج في سلسلة مشاريع البنية التحتية الكويتية كالموانئ والجسور والطرق التي بعضها تحت الخدمة، وبعضها الآخر مشاريع في أدراج الحكومة ومجلس الامة، فأمر تنفيذها مع تغيير في متطلباتها وحجمها ممكن ان تشمله التشريعات والاجراءات الحالية التي اعتادت الحكومة ومجلس الامة اقرارها وتنفيذها وهي ضمن اجهزتها الحالية، اذن فان الاوضاع والاسباب لمركز تجاري كويتي متوافرة وقيد الاستخدام ومن الممكن توسعتها وتطويرها، ولن يكون هناك صراع على مصالح وفرض وجهات نظر دون اخرى كما هو الحال في المشاريع والتشريعات الجديدة المتطورة التي يتطلبها أي مشروع جديدة كمشروع المركز المالي، وبتوفر البنى التحتية للمركز التجاري في دولة الكويت يمكننا تنفيذ مشروع السكك الحديدية وطريق الحرير والمشاريع الاخرى مع اضافة ما يتطلبه من توسعة او تطوير البنى التحتية الحالية.
اردت ان اقدم بهذا المقترح رسالة مفتوحة للقيادة في دولة الكويت للاطلاع على مبادرة سمو امير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح وابعادها واشكالياتها من جهة، بأمل ان ينال المقترح دعم دولة الكويت لتأسيس مركز مالي عربي والاكتفاء بتطوير بنية ومؤسسات الخدمات التجارية، والتي تقوم مقام مركز تجاري، والمعمول بها حاليا في الكويت.
ومن جهة اخرى، نرجو ان يخدم هذا الطرح كرسالة الى القادة في القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي ستعقد في 18 و19 يناير 2009 في دولة الكويت للنظر في تأسيس مركز مالي عربي.
وبما ان فكرة المشروع وطرحه طرأت علينا، منذ فترة قصيرة فقط، لم اتمكن من اعداد دراسة مستفيضة بالشكل المرضي ولا ترتيب اولويات «سرد» طرح المشروع والاهم من ذلك الصياغة القانونية للجزء القانوني منه.
2 ــ نحو مركز مالي عربي
الأسباب التي تدعونا الى اقتراح تأسيس مركز مالي عربي هي:
ان عدد الدول العربية التي لديها اسواق للاوراق المالية «بورصات » في تزايد وهي ستحتاج إلى خدمات مركز مالي عربي تفيد وتستفيد منه، او هل المطلوب ان تؤسس كل دولة عربية مركزاً مالياً خاصاً بها؟ هل هو شاليه او يخت ام قصر منيف؟ ان مآل الكويكبات، أي المراكز المالية الحالية والتي قد تتزايد، ان يبتلعها النجم الذي تدور حوله وتصبح جزءاً منه ارادت ذلك ام ابت.
ان موارد الدول العربية الطبيعية الظاهرة للعيان، وتلك التي في باطن الارض، والموارد البشرية المتوقع تزايد مهاراتها، واسواقها الاستهلاكية والفرص الزراعية الجاذبة بشكل كبير، والمزايا السياحية والاثرية. المهملة، اما بسبب العجز أو عدم توافر المال، ستوفر مجالات مربحة وعظيمة لاستثمار الرأسمال العربي ناهيك عن الرأسمال الأجنبي.
إن تشريعات المركز المالي العربي المتطورة ستعجل اقتداء الدول العربية بها وتحفزها على تطوير تشريعاتها وبناها التحتية كي تصبح جديرة لاستقطاب الرأسمال العربي والأجنبي لإقامة مشاريع عملاقة بالغة الربحية، بعضها بارز للعيان وبعضها سيبرزه الزخم الاقتصادي المستجد والظروف المؤاتية، وتكون حافزا قويا لخلق فرص استثمارية لرأس المال العربي والأجنبي وفرص عمل متجددة للمواطنين.
ان كلفة تأسيس مركز مالي عربي ستكون اقل كلفة من كلفة مراكز مالية متعددة وأكثر متانة وكفاءة وقدرة تنافسية مع المراكز المالية الدولية بل ربما إستحقت الصرف على تطويرها وتعزيزها أكثر مما يبرره الصرف على المراكز المالية الاخرى مجتمعة. ان المركز المالي العربي سيكون بمنزلة سفينة بحجم التايتنك والمركز القطرية الصغيرة، ان وجدت بعد ذلك، وهو حيف، ستكون كالقوارب الصغيرة التي تُجر خلفه.
10خطوات لتأسيس المركز
نقترح ان تطرح الأمانة العامة على مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية مشروع المركز المالي العربي على اصحاب السمو ملوك وأمراء الدول العربية للنظر في امكانية انشاء المركز المالي العربي في أي دولة عربية تقرها اللجنة التأسيسية التي يؤسسها قادة المؤتمر.
1- يطلب من الدول العربية ان تتنافس في تخصيص أرض «موقع» للمركز المالي العربي ضمن أراض الدولة المانحة، وتحت سيادتها، والتي ستخصص لمشروع المركز المالي وهيئة السلطة الإدارية للمركز وإقامة المؤسسات والخدمات التابعة له والبنوك والمؤسسات والبيوتات الدولية والخدمات المساندة وسكن الموظفين والعاملين والأمن اللازم على الأرض «الموقع» المخصصة للمركز المالي.
2- تمنح الدولة المانحة لهيئة سلطة المركز المالي العربي السلطات الكفيلة لإدارة «الموقع» الممنوح بصفته منطقة حرة أو أوف شور Off Shore حسبما سيقرره المؤتمر أو الدولة المانحة وتخول الدولة المانحة هيئة السلطة الإدارية اصدار التشريعات والقوانين التي تمكنها من إدارة المنطقة الحرة أو الأوف شور Off Shore بما يتناسب ويخدم مصلحة المركز المالي العربي والمؤسسات العاملة والمستضافة فيه خارج قوانين الدولة المانحة.
3- تُؤسس شركة مساهمة للمركز المالي العربي من الدول العربية التي ترغب في المساهمة بنسبة محددة من رأسمال المركز المالي العربي الذي سيحدده المؤتمر أو اللجنة التأسيسية ويمكن أن يكون مساهمو المركز حكومات الدول العربية أو القطاع الخاص في هذه الدول أو مزيج من الحكومة والقطاع الخاص في الدولة المعنية.
4- تشكل هيئة السلطة الإدارية للمركز المالي العربي من الجمعية التأسيسية المكونة من أعضاء الدول العربية المساهمة في المركز المالي، ويعين أو ينتخب احد هؤلاء الاعضاء رئيسا لهيئة السلطة الادارية بصفة دورية لكل أربع أو خمس سنوات يعاد بعدها تعيينه أو يتم انتخابه او انتخاب او تعيين غيره حسب القوانين التي تقرها اللجنة التأسيسية.
5- تصدر هيئة السلطة الإدارية للمركز المالي العربي التشريعات والنظم الكفيلة لإدارة المركز والشروط اللازمة وإصدار تراخيص وقبول المؤسسات التي ترغب في العمل في المنطقة الحرة او الأوف شور OFF Shore للمركز المالي العربي وتلك التي ترغب في الانتساب إلى المركز من خارج المنطقة الحرة أو الأوف شور off Shore.
6- تحدد اللجنة التأسيسية مساحة الأرض المطلوب منحها للمركز المالي العربي، ويمكن ان تكون الارض امتدادا لأراضي الدولة المانحة أو إحدى جزر هذه الدولة التي تحت سيادتها.
وبهذه المناسبة، يمكن لدولة الكويت، إن شاءت، أن تمنح جزيرة بوبيان أو جزءا منها لتكون المنطقة الحرة أو الأوف شور Off Shore التي سيقام عليها موقع المركز المالي وهيئة السلطة الإدارية للمركز الخاصة به والاعمال والمؤسسات العاملة فيه.
وان اقدمت دولة الكويت على هذه البادرة التاريخية فإنها سوف تخلد، بلا أدنى شك، عهد صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وتعزز الروابط العربية القائمة، وتضع لبنات أساسية ورئيسية في صرح التعاون العربي وانفتاح اسواق المال والاستثمار العربية على العالم والتفاعل معه.
وتبقى مبادرة دولة الكويت الافتراضية بمنح المركز المالي جزيرة بوبيان احد الاقتراحات المتوقع تلقيها من الدول المنافسة لتقديم ارض «موقع» للمركز المالي قد يكون افضل من المبادرة المفترضة.
7- إن العالم الذي نعيش فيه أصبح عالم تكتلات. كما ان الشركات المساهمة الكبرى حلت محل الشركات الفردية العائلية، فإن التكتلات سواء بين مؤسسات ومرافق الدول أو بين الدول بعضها ببعض أصبحت هي القاعدة والاساس الضامن لأمان ونجاح وتقدم الدول.
8- إن المركز المالي العربي سيوفر قاعدة رأسمالية كبيرة لتمويل البنى التحتية ومشروعات الربط الإقليمية العملاقة وغيرها من المشاريع لدولها الأعضاء.
9- إن الأموال التي ستتاح للمركز المالي العربي لن تقتصر على الأموال العربية، وهي ليست قليلة بل سيصب في «حوض» المركز المالي العربي أموالا أجنبية ضخمة تبحث عن فرص استثمارية ومجدية في العالم العربي الواسع والزاخر بالفرص.
10- إن حجم وسعة المركز المالي العربي والدول المشاركة فيه وامتداداتها الجغرافية وثرواتها الطبيعية والبشرية ستؤهل المركز ليصبح مركزا أيضا للسلع ومركزا للعملات الاجنبية ومركزا لسوق التأمين والنشاط البحري وغيرها، إلى جانب سوق الأوراق المالية ومنتجاتها. وقد قرأنا اخيرا أن مالطا تعد نفسها لتصبح مركزا للتمويل الإسلامي. كيف تسمح الدول العربية والإسلامية بذلك؟
وسيصبح المركز «مجمعا ماليا» تقصده مؤسسات الحكومات العربية كصناديق التنمية وصناديق الاستثمار الخاصة بها، إلى جانب بنوك وشركات الاستثمار والمؤسسات الأخرى للقطاع الخاص من الدول العربية وغيرها. إن أملنا بمؤتمر القمة كبيرة في أن يولي هذا المشروع الاهتمام المنشود ليحقق المصالح العربية المشتركة.
* المؤسس الأول للسوق الكويتي للأوراق المالية
Mazidi@mazidi.com