،، سُـعدنا بإسقاط مجلس الامة قانون بناء الديوانيات على املاك الدولة وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح، واملنا ان يُـسقط الكويتيون «فكرة» الديوانية من الاساس ويلتحقوا بغيرهم من الدول المتقدمة والتي احلت وسائل الاتصال والتواصل الحضارية الحديثة الآتي ذكرها محل الديوانية، وهذا ما يرجو ان يحققه هذا المقال، ثم ان هناك اقتراحا بديلا عن الديوانية في آخر المقال ،،
في عصور لم تتوافر فيها صحف، ولا راديو وتلفزيون، ولا تلفون ارضي او نقال، ولا انترنت ووسائل الكترونية، كانت الديوانية او (المجلس) كما صحح اسمها الكاتب علي احمد البغلي هي الملاذ للتعارف والتواصل، وهي المصدر «الوحيد» لتسقط الاخبار والاحداث.
أما وقد تعددت وسائل الاعلام والمعرفة الحضارية والاتصالات وتنوعت، ليس في كل بيت ومكتب فحسب بل وفي كل جيب، وعلى كل المستويات، فقد اصبح التمسك بما اندثر وهجر من وسيلة كالديوانية اعاقة باهظة الثمن للاستفادة مما تتيحه وسائل الاعلام والاتصال من ثقافة ومعرفة في السياسة والاقتصاد والدين والادب والتاريخ... الخ، يقدمها ويناقشها المختصون من علماء واساتذة ومهنيين، وامور تستجد يوميا على جميع مستويات الحياة. ان الغالبية العظمى من رواد الدواوين هم ضحية الثقافة السمعية التي تجتزئ تناقل المعلومة حتى تتضاءل قيمتها الى الصفر فيحملها السامع «مغترا» بما لا يغني ولا يسمن من جوع.
ان تفاخر الكويتيين بتميزهم «بثقافة الديوانية» عن غيرهم من شعوب الارض، تحولت من عادة كانت محمودة في عهد قوم عاد وثمود، الى عادة مرضية في عهد افريقي اسود كان مستعبدا، اصبح حاكما لبيض كانوا مستبدين.
أصبح وجود الرجل في بيته وبين اهله نادرا، فقد اصبح البيت فندقا للأكل والنوم، والحياة والسعادة خارجه، واصبح بيت الزوجية باردا والعلاقات الاسرية متفككة. ان كثيرا من الرجال يرتادون من 8 الى اكثر من 10 ديوانيات في الليلة الواحدة، خاصة في المناسبات كرمضان والاعياد، مما يؤزم الطرق ويزيدها اكتظاظا بدل ان تخف، واصبح التنقل لقضاء الحاجات الملحة العاجلة يستغرق شطرا كبيرا من الليل.
أورد التقرير الثقافي العربي معلومات مهمة عن مستوى المثقف العربي، من بينها ان الدول العربية مجتمعة تصدر كتابا لكل اثني عشر الف عربي) بينما تصدر بريطانيا كتابا لكل خمسمائة انكليزي، ولو فرزنا القارئ الكويتي من باقي القراء العرب لأصبح في آخر القائمة، فمتوسط القارئ الكويتي ان قرأ الصحف فيختصرها على قراءة عناوين الابواب التي تهمه... اما قراءة كتاب.. فيا حرام!
إذاً من اين تأتي الثقافة «المليانة» ورجاحة العقل وحُسن تقدير الامور والاصطفاف السليم، على الاخص في السياسة والدين والاجتماع سوى الغوغائية والاثارة؟
كنت اوصل احد الزوار الاجانب الى فندقه فمررنا بديوانية تكاد تحرقها الانوار التي تحيط بها فتساءل: هل يملك اصحاب هذا المنزل محطة كهرباء خاصة به؟ قلت: طبعا.. ان كل مواطن كويتي يعتبر محطة كهرباء الحكومة، وكذلك محطة المياه ملكا خاصا به يصرف منها ما يشاء... ويدفع ما يشاء... إذا شاء... واعلم ان داخل هذه الديوانية نواب يُـروّجون لدولة الرفاه الذي نعيشه بهذه القيم، ويدافعون عنها.
«ويل للمطففين، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون، واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون، الا يظن اولئك انهم مبعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.» صدق الله العظيم.
أما بخصوص حاجة النواب، والمرشحين في المستقبل، الى التواصل مع ابناء منطقتهم والتداول في امور البلاد عامة فهذه امور مشروعة وتستحق الاهتمام الذي يمكن ان تخصص لها صالات كصالات الافراح والمناسبات يُـشيدها المحسنون وتحتوي في داخلها على عدد من الصالات الثانوية ويحجز النائب او المرشح ليوم معين وساعات معينة وتكون مُـعدة للنقاش بطاولة او اكثر للنائب او المرشح وكراسي تناسب صالات المؤتمرات.
وبهذا الاسلوب يخرج الحضور بتفاهمات واتفاقات ترضي الجميع وبشكل حضاري منظم.
عبدالحميد منصور المزيدي
mazidi@mazidi.com