كتب زهير الدجيلي:
قبل عام ونصف العام، كان حمل رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي من المشاكل خفيفا. وكان عدد الأصدقاء والأحباء الداعمين له أكثر مما هو عليه اليوم. كان حوله من يعتقدون انه سيعبر الشط المملوء بالجثث بعزيمة، خصوصا انه اندفع بكل ما يملك من حماس ليبني له كيانا ذا سمعة جيدة بين المكونات الاجتماعية بهدف التقرب من هموم المواطن. حتى خيل لبعض اليساريين والماركسيين في العراق أن المالكي شيوعي النزعة، مندس في حزب الدعوة الاسلامية، من كثرة ما تحدث باللغة التي يتحدث بها اليساريون، وليس تلك اللغة التي عرف بها الاسلاميون العراقيون.
أول المشاكل التي واجهها المالكي في بداية حكمه كانت سلسلة الانسحابات والاستقالات المتتالية من وزارته، حتى لم يبق معه سوى نصف العدد. وأصبحت وزارات الخدمات- التي عوّل عليها لزيادة شعبيته- متعثرة ومهملة. وأصبحت فكرة التعديل الوزاري والاتيان بوزراء جدد ورفع كفاءة العمل الحكومي مهمة عسيرة مقيدة بالمحاصصة، التي أصبحت بدورها سجنا رهيبا لمشروع الاصلاح والبناء والتقدم، مثلما أصبحت قيدا يشل يدي رئيس الحكومة.
أم المشاكل
يتمنى المالكي عقد اتفاقية أمنية مع واشنطن، لاقتناعه بان مثل هذه الاتفاقية "تحمي حكومته- غير القادرة على حماية نفسها والنظام ــ واطالة عمرها بضع سنوات أخرى". غير أن رئيس الوزراء يريد في الوقت نفسه أن تكون الاتفاقية خالية من بنود قد تكرس الاحتلال وتجعل العراق رهن علاقة مع أميركا أشبه بالانتداب، مما يجعل المالكي نفسه في موضع ادانة تاريخية تجرده من وطنيته وتضعه في مصاف السياسيين، الذين تساهلوا مع الاحتلال على حساب وطنهم. وهي تهمة يتداولها المعارضون والرافضون للاتفاقية. لذلك راح يحتمي خلف المراوحة بالوقت والتراخي وتقديم الاعتراض تلو الآخر والتعديل تلو الآخر عله يحظى بمزيد من التنازلات الأميركية. لكنه ينسى أن الأميركي أيضا لا يريد أن تذهب جهوده وتضحياته هباء.
والمالكي يفضل ألا يتحمل مسؤولية توقيع الاتفاقية وحده، ويريد أن يكون لآخرين دور فيها حتى لا يقال "انها من صنع المالكي وحزب الدعوة حصريا". وبهذا باتت الاتفاقية الأمنية المرتقبة "أم المشاكل" ستبقى تنغص على رئيس الحكومة طوال الوقت الباقي له في الحكم (ما يزيد على سنة بقليل).
المحاصصة هي التي جاءت بالمالكي الى الحكم. الأكراد كانوا طرفا في تلك المقايضات عندما صوتوا للمالكي، غير أنهم اكتشفوا مع الأيام أن المالكي يميل إلى مركزية الحكم وتقوية حكومة بغداد، ويتصرف بمسؤولية الحاكم الذي يعتبر العراق "دولة واحدة تجمع كل العراقيين". فالأكراد يريدونه حاكما صغيرا على بغداد الضعيفة سياسيا وعسكريا، وألا تتجاوز سلطته محافظة صلاح الدين. أما المسافة من كركوك حتى اربيل والسليمانية والموصل (شمالا) ومن بعقوبة حتى قره تبة وجلولاء وقصر شيرين (شرقا) فهي دولة الكورد والسلطة فيها للبشمركة.
كما لا يحق للمالكي: الاعتراض اذا ما استخرج الأكراد النفط والمعادن من ثلث الجزء الشمالي من العراق وباعوها وتصرفوا بعائداتها بعيدا عن بغداد، الاعتراض على نشاطات الأكراد- السياسية منها والاقتصادية والعسكرية- ولا الاتفاقيات التي يبرمونها مع دول العالم، لا يحق له اقالة أو تعيين وزير كردي من دون استشارتهم، وكذلك لا يحق له تعيين شخص غير كردي في الثلث الشمالي من العراق، ممنوع رفع علم العراق في مناطق النفوذ الكردي، ولا يجوز لعراقي دخول أراضيهم من دون كفيل كردي.
إرث بريمر
يطالب الأكراد المالكي بان يعطيهم أكثر مما أخذوه من غنائم، متذرعين بالدستور الذي كتب في زمن الحاكم الأميركي بول بريمر. هذا الدستور الذي أصبح قيدا يشل حركة رئيس الوزراء، حتى قال عنه في خطابه الأخير أمام مؤتمر الكفاءات العراقية بأنه "دستور كتب في ظروف الخوف وأعطى صلاحيات كبيرة للحكومات المحلية وللأقاليم على حساب الحكومة المركزية".
المالكي يدعو الى تعديل الدستور وجعل الأكراد يقبلون بحقوق ضمن عراق موحد وحكومة مركزية. غير أن الالتباس في دعوة المالكي هي أن مهمة تعديل الدستور تعطلت في فترة حكومته، تحت ضغط الأحزاب الكردية والمجلس الاسلامي الأعلى، الذي يطمح باستنساخ التجربة الكردية في وسط العراق وجنوبه تحت مسمى "اقليم الجنوب والوسط". فهل ان صولة المالكي ضد دستور بريمر جاءت متأخرة؟
مجلس الرئاسة
رغم أن المجلس التنفيذي، الذي يضم المالكي الى الرئيس جلال الطالباني ونائبيه الهاشمي وعادل عبد المهدي في مجلس واحد، اتفق على أن يكون احدى أدوات الحكم الى جانب مجلس الوزراء حلا لمشكلات الصراع على الصلاحيات التي تفجرت منذ أكثر من عام بين رئيس الوزراء ومجلس الرئاسة، وتمت تسويتها بهذه الصيغة، الا أنها عادت الى السطح من جديد. والسبب المواد التي ينضوي عليها الدستور وتجعل للمركب أربعة نواخذة. فهذا ما أراده بريمر: ابقاء الصراع وعلى قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».
المجلس الأعلى
لا يتسع المجال هنا لعرض جذور الصراع والمشاكل بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى، منذ أيام النشأة الأولى في النجف الى أيام الاغاثة والاعالة في ايران. فهذه صفحات من الماضي وقد طويت منذ أن قام الائتلاف العراقي الشيعي وأصبح الاثنان شريكين رئيسيين، وفاز المالكي بالسلطة بدعم من هذا الائتلاف. غير أن الأيام أثبتت أن "الأخوة الأعداء" لا يمكنهم أن يستمروا بمشروع واحد. ولا بد أن تأتي ساعة تفترق القلوب من جديد.. وهذا ما حصل حين تفجرت قضية تشكيل مجالس اسناد العشائر، وهو مشروع أراد فيه المالكي وضع العشائر وهي قطاع كبير مهم في المجتمع داخل اطار مسؤولية الدفاع عن السلطة.
وما أن بدأ المالكي بتنفيذ المشروع والانفاق بسخاء على رؤساء العشائر- مثلما كان يفعل النظام السابق- حتى ثارت ثائرة المجلس الأعلى، معتبرا المشروع محاولة من المالكي وحزب الدعوة للاستئثار بجماهير الجنوب والوسط وقضم نفوذ الأحزاب الأخرى، وفي مقدمتها المجلس الأعلى، خصوصا ان انتخابات المحافظات على الأبواب.
التيار الصدري
التيار الصدري قوة لا يستهان بها. حتى أن مقياس الشارع يؤكد انه يتصدر جميع الأحزاب والجماعات الشيعية قوة ونفوذا. غير أن جنوح ما سمي بجيش المهدي نحو الحرب الطائفية واحتوائه على مجموعات مسلحة شتى تحركها جهات عديدة في مقدمتها ايران لاحباط المشروع الأميركي، جعل التيار وجيشه تهديدا خطرا على استقرار السلطة وطموح المالكي في سد فراغ الزعامة الذي حصل بعد الاحتلال.
ورغم أن العمليات، التي نفذتها الأجهزة الأمنية بأمر من المالكي لتصفيتها مسلحي جيش المهدي في مناطق الجنوب، قد لاقت ارتياحا لدى المواطنين فإن الخطوة زادت من الانقسام الشيعي ــ الشيعي وقللت من احتمالات أن يحظى المالكي بدعم مماثل لما حصل عليه يوم رشحه الائتلاف الشيعي.
إيران
يحاول المالكي الابتعاد عن النفوذ الايراني المباشر أو التعاطي معه على أنه "الأخ الأكبر". تساعده على ذلك روح الاستقلالية التي يتميز بها عن قادة المجلس الأعلى والطامعين بالسلطة بمساعدة طهران مثل مقتدى الصدر وغيره. غير أن طهران مستعدة دائما لاثارة الكثير من المشاكل بوجه المالكي. وهي تملك أدوات كثيرة لتنفيذ ذلك داخل حكومته وفي البرلمان وبين الائتلاف المتحالف معه.
هناك مشاكل عديدة أخرى يواجهها المالكي، لكننا لا نريد أن نسهب في تعدادها، ولا نريد أيضا أن نبخس الرجل حقه ونتجنى باتهامه بأنه لم يحقق شيئا. غير اننا نرى في الأفق الكثير من الصراعات المتوقعة التي من شانها وضع حكومة المالكي في مهب رياح التمزق السياسي والطائفي أكثر مما مضى.