سبحان الله، لم اعلم مسبقا بوجود كل هذه الكفاءات في وطننا العزيز. عدد الخبراء الاقتصاديين لدينا يفوق خبراء العالم مجتمعين. يا ليت «ليمان براذرز» كانوا قد استعانوا بخبراتنا قبل ان يشهروا افلاسهم، او ليتهم قد سمعوا نصيحة وزيرنا الهمام بضرورة التحول الى بنك اسلامي، لكانوا في مأمن من النكسة الاقتصادية العالمية. ألم تر الشركات الاسلامية وهي شامخة لا تهتز بتلك الزلازل؟ لو كانوا اطاعوا خبراءنا لكانوا فازوا فوزا عظيماً في الدنيا والآخرة.
لو اقتصر الامر على هؤلاء المتفذلكين الذين أتحفوننا بآرائهم في المقاهي لهان الامر، ولكن ان يصل بنا التصحر الفكري الى ان تغرق صحفنا بفيض من المقالات «العبيطة» التي تناولت هذا الشأن بسطحية مميزة متفوقة، فهذا شيء مزعج للغاية، اذ قطعوا اوصال النظام الرأسمالي بمعركة كلامية هلامية وهم لا يعلمون بما يتحدثون، ولكنهم سمعوا في خطبة الجمعة ان النظام الرأسمالي هو سبب مشاكلهم الاقتصادية والنفسية والجنسية، وان الحل يكمن في النظام الاقتصادي الاسلامي، فانتشر هؤلاء في كل مكان لينشروا علمهم الغزير لانه لا خير في كاتم العلم!
نحن سطحيون (حد أعلى) في تعاطينا مع الامور، ففي حين اننا نجد شعوب العالم المتحضر تكرس جميع امكاناتها لتصل الى ذلك التفوق المذهل والمبهر في الحضارة الانسانية، نكتفي بوضع رجل على أخرى متابعين التلفزيون «الرأسمالي»، نافخين الدخان، منتظرين اي خلل يصيب تلك الحضارة لننتفض ونصيح: ألم نقل لكم ان نظامهم فاشل والنظام الصحيح هو نظامنا الاسلامي لو طبقناه على اصوله؟ ثم نعاود «مزة» السيجارة بعمق وروحانية يحسدنا عليها العالم!
يا سادة يا عرب يا بشر، النظام الرأسمالي حاله كحال بقية الانظمة عبر التاريخ البشري لم يكن ولن يكون كاملا، ولكن الواقعية التي تعيشها الشعوب الحضارية تجعلها تكرس جهدها في الاستفادة من تراكم الخبرات والتجارب لتبقى في تحد دائم يحثها على تطوير ذلك النظام وفقا لما يستجد وما يتم اكتشافه من نواقص، ولا تكونوا ناكرين للجميل لان نكران الجميل صفة غير حميدة، واحترامنا لذاتنا يفرض علينا ان ندين للرأسمالية بالشكر الجزيل على ما قدمته للحضارة الاسلامية في شتى المجالات، ومن لديه شك في ذلك فليراجع قدراته العقلية، واما المثالية المطلقة فلا توجد الا في قصص «المكتبة الخضراء» الطفولية الحالمة، التي تصلح للقراءة قبل النوم، ومن ثم عد الخراف... وما اكثرها.
اما اصحاب شعار «الاسلام هو الحل» فانهم لا يخرجون عن اثنين، اما هم مخادعون او مخدوعون، فالاقتصاد الاسلامي ارسى بعض القواعد العامة والاعراف التي نظمت الحركة الاقتصادية في صدر الاسلام، ولكن الشريعة لا تنشئ نظاما كاملا متكاملا بامكانه انيحتوي تعقيدات عالم المال في العصر الحديث، بل ان ما يسمونه حاليا بالاقتصاد الاسلامي والاستثمار الاسلامي هو مجرد استنساخ للادوات النقدية المتعارف عليها عالميا، مع اضافة بعض المساحيق وعمليات تجميل المسميات، من المرابحة والصكوك والتورق والتوريق والتوريط الى الاجارة والاستصناع والاستزراع والاسترزاق... وفي انتظار جديدهم!
وفي حربهم على القوانين الوضعية نسوا (أو تناسوا) ان اقتصادهم هو عبارة عن مجموعة اجتهادات وضعية يتم تسويقها بحرفية عالية بدعم مباشر من احتكارهم إصدار تذاكر الجنة والنار. نعم هي اجتهادات وضعية حالها من حال الشروط التي فرضوها على الشركات المدرجة في البورصة لكي تدخل في قائمة الاسهم الشرعية المتوافقة مع الشريعة الاسلامية، ومن بينها تحديدهم الا تتجاوز نسبة القروض في تلك الشركة 20% من رأس المال العامل كي لا يحرم التداول باسهمها! وذلك اجتهاد لا أساس له في القرآن ولا في السنة ولا في غيرهما، وفرضوه على الله (وليس العكس) بانه حلال ويتفق مع الشريعة، وما دونه حرام ويستوجب العقاب!
خدعوك فقالوا ثوابتنا ومبادئنا صالحة لكل زمان ومكان، وهم يتلونون في كل زمان ومكان، وثوابتهم مطاطية يتم مطها وفقا للحاجة الآنية، فمحرمات الامس هي مباحات اليوم.. فها هو القرضاوي يفتي بجواز الحصول على قرض من بنك ربوي للسكن تحت ذريعة «الضرورات تبيح المحظورات» والسيستاني يجيز ان تأخذ الفائدة من البنك على الودائع الثابتة، ولكن بشرط ألا تشرط عليهم الفائدة! واحدى الشركات المملوكة لمؤسسة اسلامية تقوم بتأجير طائراتها إلى شركات طيران عالميةتقدم الخمور على متنها، وشراء الاسهم بالاجل وبعقود الخيارات (الاوبشن) يوماً حرام وآخر حلال، حسب ما تقتضيه مصالحهم، وليس المجال هنا لاستعراض تناقضاتهم، فهي اكثر من ان تحصى، مع علمنا بالكثير من الاحكام الاسلامية التي لا يتم التطرق اليها لانهم يدركون انها غير واقعية، وسأتناولها لاحقا.
ما اود قوله بايجاز: فلنترك الحديث عن الاقتصاد لاهله، فالاقتصادي لا يعلّم الناس كيف يصلون ويصومون، وكذلك رجل الدين يجب الا يتدخل في التحليل الاقتصادي لانه شأن لا يفهمه.
فيصل خاجه
faisal.h.k@hotmail.com