كتب نزار حاتم:
دخلت الاتفاقية الامنية بين العراق واميركا في زوايا حادة يصعب تدويرها خلال الفترة المتبقية لولاية الرئيس جورج بوش.
ويبدو ان احالة «المجلس السياسي للامن الوطني» الاثنين الماضي مسودة الاتفاقية الى مجلس الوزراء قد مثلت عجزا حقيقيا عن بت ــ سلبا او ايجابا ــ هذا الملف الذي بدأ ينفتح بقوة امام كل الساسة العراقيين والشارع العراقي على حد سواء.
كما مثلت هذه الاحالة محاولة اقطاب هذا المجلس التنصل او الهروب من التعاطي الحاسم مع المسودة، وهي محاولة ليست ذكية ما دامت رسّخت في ذهن المتابعين والعراقيين كل هذا العجز ازاء قضية مصيرية مهمة.
واخيرا مثلت الاحالة ذاتها هشاشة العلاقة بين مكونات المجلس السياسي الذي انشئ ــ اصلا ــ لبت الامور المستعصية، ــ ولعمري ــ أيّ امر اهم واعصى من موضوع الاتفاقية!
وزحزحة الملف من طاولة المجلس السياسي للامن الوطني فتحت النوافذ على جبهات عدة، وزادت في تمويل هذه الجبهات بمزيد من الحساسيات الخاملة حينا، والناشطة حينا آخر.
وباستثناء الجانب الكردي الذي حسم موقفه منسجما مع توقعات «القبس» القبول بالاتفاقية، بدأ الجميع يعيش حالة من الاضطراب والمراوحة بين الاقدام والاحجام، لا سيما بعد ما دخلت الحوزات الدينية ومراجع الدين لدى السنة والشيعة في صلب العملية التفاوضية الشاقة من خلال اصدار الفتاوى واطلاق التصريحات التي يختلط فيها الوضوح بالالتباس فتضيع بوصلة الباحثين عن الموقف السياسي او الشرعي.
«جبهة التوافق» آلت امرها الى لجنة عمدت الى تشكيلها لدراسة المسودة لينجلي رأيها لاحقا، فيما عقارب الزمن الاميركي تدق على رؤوس الجميع.
وبعد ما قرر مجلس الوزراء ضرورة اجراء تعديلات على المسودة في مقابل تحفظات اميركية على هذا القرار، بات المتابع للامور عن كثب يشعر ان ثمة ثنائية ندية قد برزت بين الحكومتين العراقية والاميركية.
وبالتأكيد فإن الهوة بين الجانبين ستزداد عمقا على وقع التصريحات الاميركية التحذيرية.
فقد كان رئيس اركان الجيوش الاميركية الادميرال مايكل مولن قد حذر العراقيين مما وصفه بعواقب عدم التوقيع، كما ان وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس اعلن «ان الباب قد اغلق تقريبا امام امكان اعادة التفاوض»، وان رفض المسودة ستكون له تداعيات دراماتيكية، الامر الذي يعني ان مطالبة الحكومة العراقية باجراء تعديلات على المسودة شبه مرفوضة اميركيا.
تفسيرات متباينة
هذه التصريحات الحادة قد يراها الجانب الاميركي ضرورية للضغط على الجانب العراقي وحمله على الموافقة، فيما قد تراها الحكومة العراقية وكتلة «الائتلاف» بصورة عامة نوعا من الابتزاز.
حتى لو افترضنا افتراضا ان رئيس الوزراء نوري المالكي راغب في تمرير المسودة كما هي عليه، فإنه في ظل هذه التصريحات يشعر اكثر من اي وقت مضى بمحاولة ارغامه على هذه الخطوة، فيزداد عن اتخاذها ابتعادا.
اول رد فعل له على تصريحات رئيس الاركان الاميركي جاء على لسان الناطق باسم الحكومة علي الدباغ الذي قال «ان الحكومة العراقية تلقت بقلق بالغ تصريحات الادميرال مايكل مولن، ومثل هذه التصريحات ليست موضع ترحيب في العراق»، مضيفا ان «العراقيين بكل قواهم السياسية يدركون حجم مسؤولياتهم، وهم يقدرون اهمية التوقيع على الاتفاقية او عدمها بالشكل الذي يرونه مناسبا».
كل هذه التقاطعات واجواء التصعيد لا تجعل احدا يميل الى احتمال طي صفحة الاتفاقية باتفاق سريع، لا سيما ان الحكومة العراقية تشعر ان وضعها هو الافضل ــ زمنيا ــ على خلفية اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في اميركا، وبالتالي فهي ليست على عجلة من امرها، سواء انجز الاتفاق في عهد الادارة الاميركية الحالية او ذهبت اوراق الاتفاقية الى درج اوباما او ماكين.