ندين بالفضل الكبير للصدفة الموقرة التي جعلتنا نستوطن ارضا تحمل في باطنها هذا المخزون النفطي، الذي جعلنا بفضله ننتقل من ظلمات الفقر ومآسيه الى انوار الثراء الفاحش التي اتاحت لنا رؤية كل مستلزمات الرفاهية التي ابدعها الانسان في العصر الحديث.
هو ثراء فاحش وأثره مباشر على المواطن وإن اعتقد البعض خلاف ذلك، فالدولة تضمن للمواطن وظيفة في احدى وزاراتها بغض النظر عن مستوى تحصيله العلمي او الفكري بمجرد مروره بنجاح على المراحل التعليمية التي هي مجانية بالاساس، فالكويتي الذي يتخرج في كلية التربية الاساسية (مثلا) ويتعين مباشرة مدرسا في وزارة التربية يصل راتبه بإضافة علاوة الزوجية وبدل الايجار الى 1000 دينار كويتي شهريا، اي ما يعادل 45000 دولار اميركي سنويا متفوقا بذلك على متوسط دخل الفرد في لوكسمبورغ الذي يعد الاعلى عالميا على الاطلاق بمتوسط 44000 دولار اميركي سنويا!
ولكن العد التنازلي قد بدأ، ونحن لا نزال نجتهد في بعثرة هذه الثروة، وكأننا امام قصة اسماعيل ياسين في فيلمه «الفانوس السحري» عندما يخرج له العفريت (المارد) فيطلب منه اسماعيل ياسين مبلغ عشرة آلاف جنيه وكان مبلغا ضخما آنذاك في عام 1960 بالرغم من ان قيمة هذا المبلغ لا تتجاوز الخمسمائة دينار كويتي في ايامنا الحالية حسب سعر صرف الجنيه المصري حاليا، فيشترط عليه العفريت ان ينفق هذا المبلغ في يومين، لينطلق بعدها اسماعيل مبعثرا المال هنا وهناك في سباق مع الزمن كي لا يدركه وعنده جنيه لم يصرفه!
حصلنا على فرصة على الارجح انها لن تكرر ابدا في تاريخنا، وبسوء الادارة والتصرف رموا هذه الفرصة في سلة المهملات، نحن نصر على ان نعيش يومنا فقط ونبعثر ثروتنا على النمط الاستهلاكي الفردي، اما الغد فعلى (التساهيل) وفقا للمنطق الكويتي الشاذ، الجيران العقلاء (نسبيا) ادركوا هذه الحقيقة وسعوا لتنويع مصادر دخلهم ما بين الصناعة والزراعة والسياحة وخلاف ذلك، اما نحن فمتفرغون تماما للروحانيات والغيبيات والايمان بمبدأ «اللي يجي من الله حياه الله» بانتظار صدفة اخرى على نظير الصديق العزيز.. نفط.
يقول الشاعر العراقي المبدع مظفر النواب مستقرئاً حال العرب في رائعته الشعرية «وتريات ليلية»:
«سنصبح نحن يهود التاريخ
ونعوي في الصحراء بلا مأوى»
ذكر اليهود جاء هنا كناية عن حالهم السيئ في التاريخ وتشردهم، وهو مصير ينتظرنا ان لم نفق من سباتنا العميق، لن يرأف بنا احد بعد نضوب النفط او بعد استكشاف او تفعيل اي مصدر آخر بديلا عن النفط، فالمصالح المشتركة هي الرابط بين الدول بعضها ببعض (كما هي الحال في علاقات الافراد)، ونحن الى الآن نحتاج الغير في كل مستلزمات حياتنا، حتى الحفاظات نستوردها، اما الغير فلا يريد منا سوى.. النفط!
فيصل خاجه
faisal.h.k@hotmail.com