عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الاحد 28 سبتمبر 2008 ,27 رمضان 1429 , العدد 12693 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 26/08/2008
الموسيقى.. فضيلة لم ندركها بعد
كتب فيصل خاجه :
شكسبير: اذا خلت نفس انسان من الموسيقى وانعدم تأثره باتحاد الاصوات الرخيمة كتب عليه: لا يصلح الا للمخادعة ونصب الحبائل للناس والاضرار بهم فتخور عزيمته وتموت مشاعره وتظلم عواطفه كالليل الدامس ويكون فاقدا للاهلية لان يوثق به.
ارسطو: الموسيقى اسمى من ان تكون اداة للهو والسرور والتسلية فهي تطهر النفوس وتريح القلوب.
كونفوشيوس: الموسيقى هي مرآة حضارات الشعوب.
بيتهوفن: الموسيقى هي الحلقة التي تربط الروح بالحس.
اينشتاين: الموسيقى هي الرياضيات، والرياضيات هي الموسيقى.

للعلماء والادباء والفلاسفة وغيرهم عدد من الاقوال المأثورة بشأن الموسيقى واثرها الايجابي، ونحن نولي لاقوال هؤلاء اهمية كبيرة نظرا لأفضالهم الكبيرة واثرهم في الحضارة الانسانية وتطورها الى ان وصلت لما هي عليه الآن، فأقوالهم وآراؤهم لم تأت من فراغ، الا اذا اعتقدنا بان عقولهم قاصرة عن ادراك ما ادركناه نحن.
ولم تقتصر الآراء المؤيدة للموسيقى على غير المسلمين، بل ان اشهر العلماء والادباء والفلاسفة المسلمين كانوا شديدي الاهتمام بالموسيقى وبتبيان فوائدها، فالفيلسوف المسلم (الفارابي) له مخطوط ضخم عن علم الموسيقى باسم كتاب الموسيقى الكبير، والعالم المسلم ابن سينا له الكثير من الكتابات عن الموسيقى، بل وقام بتأليف اكثر من 24 قطعة موسيقية بنفسه!، وعالم الكيمياء جابر بن حيان ايضا كانت له مؤلفات عن الموسيقى، وابو بكر الرازي الملقب بـ(ابو الطب العربي) كانت له مؤلفات عن فوائد الموسيقى المتعددة واثرها في علاج الامراض وتخفيف الآلام، والاديب والمؤرخ المسلم ابو الفرج الاصفهاني (الاموي) كتب كتاب الاغاني في 12 مجلدا، والعالم الفيزيائي والفلكي والفيلسوف الشهير يعقوب بن اسحاق الكندي يعتبر اول واضع لسلم الموسيقى العربية.
هذا غير اهتمام الكثير من الادباء العرب المبدعين في القرن الحالي بالموسيقى مثل معروف الرصافي في روائعه الشعرية المتعددة عن الموسيقى وسموها، ومثل امير الشعراء احمد شوقي الذي تبنى المطرب محمد عبدالوهاب فنيا وسلحه بالعلم والثقافة ليساهم في اثراء الفن الراقي والهادف وليؤدي الدور المطلوب منه في المجتمع، وليحارب فن الكباريهات والملاهي المبتذلة السائدة آنذاك والتي عادت في ايامنا هذه بشكل آخر.
والموسيقى في ابسط تعريف لها هي فن مؤالفة الاصوات، بل هي علم بذاته ولا يقل شأنا عن الكثير من العلوم الاخرى، فالموسيقى لها دور رئيسي في تشكيل سلوك الفرد وتوجيه الجماعة، فالنشيد الوطني والسلام الجمهوري والملكي وما يحل محلهما له اثر كبير في تعزيز روح الانتماء الوطني، والاغنية الوطنية تلعب الدور ذاته، تلك بعض الاستخدامات السياسية للموسيقى، اما رجال الدين «باختلاف الاديان والمذاهب» فقد سعى كل منهم الى التوظيف الامثل للموسيقى، فالعديد من الديانات تجدها تستخدم الموسيقى استخداما مباشرا في دور العبادة الخاصة بها، اما في الاسلام فقد واجه رجال الدين معضلة وجود بعض النصوص المبهمة والروايات «غير قطعية الصدور» في التراث الاسلامي بشأن تحريم وتجريم حتى الاستماع الى الموسيقى مما حدا بهم الى ايجاد بديل «موسيقى» آخر للالتفاف على تلك الروايات.
فها هم المنشدون الاسلاميون يستعينون بطلبة وخريجي معهد الموسيقى لاتمام عملية المصاحبة (الكورال) في اعمالهم الانشادية وفقا لاسس المقامات الموسيقية التي تعلموها في دراستهم، سواء مع آلات موسيقية مصاحبة ام لا، واسألوا مشاري العفاسي عن ذلك، ولكنها تظل لوحات موسيقية وان وضعت في اطار اسلامي، كذلك وظف الشيعة مقام (اللامي) في قراءات النعي في مجالس العزاء الحسينية نظرا للروح الحزينة والمؤثرة التي تتجلى في هذا المقام، ومثلما يقرأ الجميع الادعية ويرتّلون القرآن وفقا لنمط موسيقي معين، فان تجاوزه عد ذلك نشازا ونفر منه المستمعون، كما ترى الداعية في برنامجه التلفزيوني وهو يتحدث في موضوع ما بنبرة صوت طبيعية، ثم فجأة تجده ينغم صوته عند ذكره لموضوع معين وذلك لضمان التأثير الاقصى على المشاهد.
بحر الموسيقى الواسع يشمل كافة المؤثرات الصوتية التي نسمعها في اي فيلم او مسلسل او موسيقى مصاحبة للبرامج التلفزيونية والاذاعية، فهل لك ان تتخيل عملا سينمائيا او وثائقيا من دون مؤثرات صوتية على الاطلاق؟ حتى المسلسلات الدينية التاريخية لا تستطيع ان تستغني عن الخدمات «الموسيقية» والا فقد المسلسل الجزء الاكبر من تأثيره، فالمسلسل الديني المصري الشهير في الثمانينات (لا اله الا الله) والذي تناول قصة فرعون الذي طغى لم يكن ليحقق ذلك الانتشار لولا اغنية البداية الرائعة والمؤثرة بصوت الفنان المرحوم محمد رشدي.
حديثي عن اهمية الموسيقى لا يشمل ما نسمعه هذه الايام ويطلق عليه زورا اسم «موسيقى» ولا يشمل تلك القنوات الفضائية التجارية والتي تصنف نفسها على انها قنوات موسيقية والواقع انها قنوات اثارة جنسية مقيتة، فالموسيقى الحقيقية هي فن راق يهذب السلوك والمشاعر ويعطي للحياة قيما جمالية، ولها اثر اكبر بكثير من النصوص الجامدة، فالتوظيف الذكي للموسيقى في العملية التعليمية من شأنه ان يرسخ معلومة ما في ذهن الطفل بمتعة بالغة له، بعيدا عن رتابة التعليم التقليدي الممل، ومن شأن الموسيقى ان تضمن ايصال رسالة اجتماعية او انسانية ما بكفاءة بالغة، ان احسن استخدامها.
نحن جميعا نتحمل مسؤولية ارتباط الموسيقى العربية بالمجون والغرائز، فلا تزال الاعراف والتقاليد التي كانت تحكمنا منذ مئات السنين هي التي تحكمنا، ولا نزال نصر على ان عاداتنا وتقاليدنا صالحة لكل زمان ومكان، مما جعل الموسيقى مهنة من لا مهنة له!
الموسيقى فضيلة لم ندركها بعد.. فمتى ندركها؟

فيصل خاجه
faisal.h.k@hotmail.com
        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS