بقلم: عبداللطيف الدعيج
لم نتوقع ان تجتهد النيابة العامة طوال هذه الفترة لكي تنتهي الى تقديم مشروع قانون لمكافحة ما سَّمته بجرائم الانترنت، كنا نتوقع هذا من اعضاء مجلس الامة، فتسعة وتسعون وتسعمائة وتسعة وتسعون في المائة منهم على علمنا وخبرنا، معادون للحريات وعلى عداء للمبادئ الديموقراطية واعتداء على المواد الدستورية التي تكفل الحريات بشكل خاص، كنا نتوقع مثل هذا المشروع من اعضاء مجلس الامة.. لكن كان صدمة ان نجد النيابة العامة المؤتمنة على امن وسلامة الناس وحرياتهم، هي التي تتولى مهمة طعن المواد الدستورية والقفز على المبادئ الاساسية للنظام، وتثبيت او اضفاء الشرعية الدستورية والقانونية على اخطاء وخطايا نواب مجلس الامة التي تجسدت في قانون المطبوعات المشؤوم.
ان قانون المطبوعات الحالي هو سبة في القانون وفي الحريات وفي المجتمعات الديموقراطية، فهو الى جانب صبيانيته وتطفله على كل شيء معمم وشامل، ويمكَّن السلطة من اضطهاد من تريد من المواطنين تحت اي حجة كانت، ولنا في قضية التأبين خير مثال، حيث تحولت التهمة الى التصريح في الاعلام الخارجي..! ان تتحدث الى قناة غير قناة تلفزيون الكويت تهمة في قانون المطبوعات، الذي تتكرم النيابة اليوم وتعممه على الانترنت، على الفضاء الخارجي الرحب.
الكويتيون يتنفسون اجتماعياً باستخدام الاجازات والعطلات للتنفيس عن الكبت الاجتماعي الذي يعانونه في بلاد الله الواسعة والرحبة والمنفتحة. والكويتيون يجدون في الإنترنت أيضاً متنفساً للتعبير السياسي خارج حدود الكبت والتضييق والاحتكار الذي هو في النهاية مصادرة للحريات وتقييد لحقوق النشر والتعبير التي من المفروض أن تكون مكفولة لإنسان القرن الواحد والعشرين. النيابة العامة اليوم، وليس متخلفو مجلس الأمة، هي التي تسعى إلى تعميم التقييد والحجر ليشمل فضاء الإنترنت فتغلق آخر منافذ الحريات ونوافذ التعبير. كيف سيكون الحال في الغد.. هل ستتولى النيابة العامة محاكمة الكويتيين على «جرائم» ارتكبوها في الخارج أثناء إجازاتهم..؟!
أسوأ ما في مشروع القانون انه ينظر إلى الجريمة وفقاً لمرتكبها. فإن كان صينياً أو فنلندياً أو من أي أقطار الأرض الأخرى فهو يمارس حقه في التعبير ولم يتعد على القانون أو يرتكب جرماً في نظر النيابة العامة. اما إذا كان كويتياً فهو متعد على القانون ويستحق المحاكمة والعقاب.!! ان العقاب هنا ليس على الجريمة ولكن على هوية مرتكبها..! بعد ليش ما تكملون إحسانكم وتغضون النظر أيضاً عن الفقراء المساكين الذين تتمرن الأجهزة الأمنية في القبض عليهم يصنعون الخمور.. فهم أيضاً غير كويتيين. وحالهم حال كل أجنبي في الفضاء الخارجي الرحب الذي يخالف قانون المطبوعات الكويتي؟!
كنا نتوقع أن تكون النيابة العامة أكثر عدلاً وأكثر التزاماً بروح القانون ومبتغاه من أعضاء مجلس الأمة. لكن، مع الأسف، فإن الواضح ان عدوى محاربة الحريات والتوسعة في التضييق على الناس قد انتقلت إلى النيابة العامة.