تعتبر اللا موضوعية أصلا متأصلا في تراثنا، ولها جذور تاريخية منذ قرون مضت، فنحن على أتم الاستعداد لتحكيم عواطفنا بدلا من عقولنا في أي خلاف او نقاش، ثقافتنا لم تعلمنا يوما ان نكون حياديين او موضوعيين في أي طرح، نحن أذكياء جدا في اكتشاف نواقص الغير، وأغبياء جدا في ما يخص نواقصنا، لأن المعايير مزدوجة وتتحكم فيها أهواؤنا إراديا أو لا إراديا، نحن لا نحمل شجاعة تخولنا الاعتراف بأن رأينا خاطئ، فنحن دائما ممن «كشف عنهم الغطاء» ولدينا لكل مسألة رأي ولكل سؤال.. جواب.
نحن على أتم الاستعداد لنغفل ونغفر لطاغية مثل صدام حسين كل جرائمه البشعة ضد الإنسان لمجرد أنه «صديقنا» ولدينا معه أهداف مشتركة، ومستعدون أيضا ان نغير قناعاتنا و«نقلب» 180 درجة بمجرد انه وجه السلاح إلينا، ومارس علينا سلوكه الإجرامي نفسه الذي مارسه مع غيرنا، وقد يكون إجرامه مع الغير أشد وأقصى، فعلى أقل تقدير أنه لم يبدنا بالكيماوي مثلما فعل في حلبجة 1988، وعلى هذا المنوال لا نلوم جميع العرب المؤيدين له حاليا والمتباكين عليه، فسلوكهم وسلوكنا تحدده العاطفة لا المبدأ، فبما أنهم لم يذوقوا ما ذقناه فلن يروه سوى شهيدا وبطلا، غفر الله له كل ذنوبه، لأنه وفي «الحلقة الأخيرة» من مسلسل دموي طال لمدة 35 عاما أو 12784 يوما تاب توبة نصوحاً قبل حبل المشنقة ثم تمتم بالكلمة السرية التي تحول الذنوب إلى حسنات وتدخله الجنة بلا حساب، وعبر بوابة التشريفات!
مفهوم العدالة الإلهية فيه لبس كبير لدى الكثير من الناس، يقول الحكيم في كتابه الكريم: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» صدق الله العظيم (8،7 : الزلزلة).
لا نحتاج إلى اجتهاد مقابل هذا النص الواضح والصريح، هذا إن كنتم حقا تدينون بالإسلام وأحكامه، وإن لم تكونوا تدينون به فلنا حديث آخر حول المفاهيم المدنية وحقوق الإنسان إن كنتم تحملون مثقال ذرة من المشاعر الإنسانية.
المصيبة العظمى هي أن نسبة كبيرة من «المبرئين والمبررين» لصدام هم من الملتزمين دينيا الذين نفترض فيهم مفاهيم العقلانية ورجاحة العقل والتسامح وحب الخير للإنسانية، ولكن افتراضنا خاطئ فهم يصرون على معرفة هوية القاتل والمقتول حتى يتخذوا قرار الادانة أو التبرئة، وياليت قرارهم اقتصر على ذلك، بل تعداه ليزكوا صدام على الله شهيدا.
أسألك: بالله عليك يا من تتعاطف مع كيفية وتوقيت إعدامه، هل كنت ستتعاطف معه لو كان قد قتل أمك أو أباك أو أحد الأعزاء عليك؟ هل شعرت بمشاعر أقرباء أسرار القبندي وهشام العبيدان وأحمد قبازرد وغيرهم الكثيرون من الشهداء الأبطال؟ ألم تشاهد بعينيك مشاهد التعذيب في السجون العراقية، والنظام البعثي كان يفتخر بتصويرها؟ ألم تر بعينك تنفيذ حكم الإعدام «تفجيرا» وهم أحياء؟ وأظن أن إبليس نفسه فوجئ وصعق بهذا المشهد!
لا عجب ان كان تاريخنا مليئا بالمغالطات والتحريف وتزوير الحقائق، فالأهواء والمصالح الشخصية هي حبر أقلامهم التي كتبوا بها احداث التاريخ في غفلة من الضمير الحي، فأصبحنا لا نميز بين الحق والباطل، فكم من شخصية تصفها لنا كتب التاريخ بالبطولة والشجاعة والذكاء ورباطة الجأش، وتجد أنها لم تكن في يوم من الأيام إلا مجرمة ملطخة يداها بدماء الأبرياء!
تاريخنا المعاصر وعلى الرغم من كل وسائل الإعلام والتوثيق الحديثة، نجده يكذب ويقلب الحقائق رأسا على عقب تحت شعار: «اذكروا محاسن موتاكم» ـــ وهو بالمناسبة حديث ضعيف ـــ فما بالك بقرون مضت؟!
فيصل خاجه
fisal.h.k@hotmail.com