عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الاحد 08 مارس 2009 ,11 ربيع الأول 1430 , العدد 12849 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية    العربى و الدولى  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 03/03/2008
بغداد تستقبل طهران بنتائج الذراع الإيرانية وخطأ الحسابات الأميركية
كتب نزار حاتم :
جنديان اميركيان بين انقاض منزل في بلدة نافيت خانة على الحدود العراقية - الايرانية (ا.ف.ب)
جنديان اميركيان بين انقاض منزل في بلدة نافيت خانة على الحدود العراقية - الايرانية (ا.ف.ب)
بغداد - نزار حاتم:
زيارة هي الاولى بهذا المستوى منذ انتصار الثورة الايرانية عام 1979، وصل الرئيس الايراني احمدي نجاد - امس - الى بغداد فيما لايزال رماد السنين الثماني من الحرب بين البلدين رابضا على بعض التعقيدات الثنائية لاسيما على صعيد ترسيم الحدود وغيرها من القضايا العالقة.
مباحثات الجانبين خلال هذه الزيارة بشأن القضايا الخلافية، او الرزمة الكبيرة من الاتفاقات الاقتصادية والتجارية والخدمية التي سيوقعها الجانبان والتي ستظهر فيها طهران سخية الى ابعد الحدود، لا يصيب استعراضها كبد الحقائق، والاهداف الايرانية الكامنة وراء هذه الزيارة.
كل القضايا الثنائية يمكن بحثها وتسويتها بدون اقدام الرئيس الايراني على تحدي الوضع الامني في الساحة العراقية وبشيء من المجازفة ليحط رحاله على رأس وفد كبير على الارض العراقية وامام انظار الاميركان، فلماذا اذن هذه الخطوة ؟

استدعاء الماضي
كانت طهران لعبت دورا ناجحا في مد يد العون لخصمها الاميركي في الاطاحة بحكومة طالبان في افغانستان بغية التخلص من تلك الحكومة التي كانت تشكل سكينا في خاصرتها الشمالية، فكان لها ما ارادت عبر ما يشبه الحرب بالنيابة على يد القوات الاميركية.
وهنا لا نريد الاستغراق كثيرا في التعاطي الايراني مع الملف الافغاني مادامت صفحاته قد انطوت لمصلحة طهران بالملموس، وما دام هدفنا في هذه الرسالة محاولة تقصي الابعاد الرئيسة في زيارة الرئيس الايراني الى بغداد، وما التوقف قليلا عند المحطة الافغانية الا بمقدار التذكير بأوجه الشبه في طبيعة الاداء الايراني مع الملف العراقي، وان كان الاخير على قدر اوسع واشمل لاسباب جيوسياسية حيوية.
منذ ان ادركت طهران جدية اميركا في ازاحة النظام العراقي عقب تحرير الكويت عام 1991، بدأت ترتب اوراق الملف العراقي على طاولات اجهزتها السياسية والاستخبارية بنحو استثنائي ومكثف بعد ان كان مقصورا على استضافة المعارضة والسماح لها بممارسة فعالياتها الاعلامية والمعلوماتية عن طبيعة النظام العراقي والتداعيات التي خلفتها حرب الخليج الثانية على الساحة العراقية بعامة، وبنية النظام بخاصة.
فقد فعّلت ايران انفتاحها على كل القوى المعارضة - شيعية وسنية - عربا واكرادا وتركمانا -، ناهيك عن انفتاحها السريع على شخصيات ليبرالية وعلمانية من ذات اليمين وذات اليسار والذين كانوا يتعاطفون معها ويخاصمونها على حد سواء ليكون الجميع في سلتها الآخذة بالاتساع.
خلال تلك الفترة كانت القوى الاسلامية الشيعية المتواجدة على الارض الايرانية تبدي حساسية كبيرة ازاء كل المشاريع السياسية المضادة لنظام صدام حسين بسبب ارتباط تلك المشاريع باميركا انطلاقا من رؤيتين: الاولى: ان هذه المشاريع تهدف في محصلتها النهائية الى اقصاء هذه القوى المتهمة اميركيا بالتطرف، وبالتالي فان التعاطي معها لا يكون سوى جسر لايصال المرتبطين باميركا الى سدة الحكم، وتاليا رمي القوى الاسلامية خارج الملعب.
الثانية: ان هذه القوى نفسها ترى في الانفتاح على مشاريع اميركية انما يخالف كل رؤاها وادبياتها وخطابها المشحون على مدى السنوات الماضية بمعاداة اميركا واتهامها بالسعي الى ضرب الحركة الاسلامية في العراق، فيما حملت هذه المواقف المتزمتة في حينها بعض الاسلاميين على الخروج من حركاتهم والالتحاق ببعض الشخصيات ذات الصلة مع واشنطن، في ظل اشاعات سادت خلال تلك الحقبة، مفادها ان تغيير النظام لا محالة قادم وان اميركا لاتسمح للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية آنذاك او حزب الدعوة بالوصول الى العراق، بيد ان اللافت في خضم تلك الاجواء والمثير لدهشة القوى الناقمة على المشروع الاميركي هو ان طهران قد سارعت الى مد الجسور مع الشخصيات والقوى الماضية في المشروع الاميركي وسيناريوهاته ذات الوجوه المختلفة وقتذاك.

سيناريوهات للتعاطي الإيجابي
كان الدكتور احمد الجلبي عقب تأسيسه (المؤتمر الوطني الموحد ) لاعبا بارزا في تلك الحقبة، وكان بذل جهودا مكثفة مع ساسة القوى الاسلامية المتواجدين في كل من ايران وسوريا ولندن بغية اقناعهم بضرورة التعاطي الايجابي مع مشروعه المدعوم اميركيا، وقد جوبهت دعواته في حينها برفض قاس واتهامات كثيرة من قبل البعض، بينما لم يجد الجلبي مثل هذه المواقف المتشنجة لدى المعنيين الايرانيين في الملف العراقي.

من يتنجس يمكنه أن يتطهر بمياه دجلة
وفيما بدأت ايران من خلال شبكة امتدادها مع القوى المعارضة بمختلف اطيافها ترجح قناعتها بالسعي الاميركي لاطاحة نظام صدام حسين، باشرت بارسال رسائل غير مباشرة الى واشنطن بامكان التعاطي معها ايجابيا على غرار ما حصل في الحرب على طالبان.
ومن بين المعلومات او الاشارات غير المباشرة التي تسلمتها طهران ان اميركا عازمة بالفعل على اسقاط النظام العراقي السابق لولا مخاوف من التدخل الايراني المباشر او بدفع القوى الاسلامية الشيعية الى الساحة العراقية واحتمال اجتزاء الجنوب العراقي في ظل تعاطف سكانه مع اي خطوة من هذا النوع يمكن اتخاذها في ذلك الحين.
طهران بددت مثل هذه الهواجس ليس لعيون اميركا طبعا، بل بما ينسجم مع مخططها المعد سلفا، فقد بدأت تطرح على قادة القوى الاسلامية الشيعية ضرورة التفاهم والحوار مع واشنطن من اجل التخلص من نظام صدام وظلمه المحيق بالعراقيين ، مضافا اليها عبارة «والا سيفوتكم القطار».
احد المسؤولين الايرانيين كان التقى في منزل احدى الشخصيات السياسية والدينية في لندن عددا من القادة والرموز الاسلاميين وطرح عليهم اهمية التفاعل والحوار مع اميركا بغية اطاحة نظام البعث، فاعترض عليه احد الحاضرين بالقول «يبدو انكم تريدوننا ان نتنجس» فرد المسؤول الايراني عليه قائلا «من يتنجس يمكنه ان يتطهر بمياه دجلة».

بدائل عن نظام صدام
اميركا من جهتها، في ظل التعاطي الايراني الجديد باشرت الاتصال مع بعض القوى الاسلامية التي كانت معاندة وممتنعة فلم تجد ثمة عنادا ولا تمنعا، بل استمعت من قادة هذه القوى مقولتهم بضرورة التخلص من نظام صدام واقامة نظام بديل يحتكم فيه الجميع الى صناديق الاقتراع.
بموازاة ذلك كان لدى اميركا ما يشبه الغموض وانعدام الرؤية حيال موقف المرجعية الدينية في النجف اذا ما تمت الاطاحة بصدام حسين على الرغم من تطمينات ابداها لها بعض رجال الدين ممن لهم علاقات جيدة مع واشنطن تفيد بان المباني الفقهية لاية الله السيد علي السيستاني غير منسجمة مع مبدأ ولاية الفقيه.
ويشير البعض الى ان من بين اولئك الرجال المقربين لاميركا من كانوا لوحوا لها بامكان لقائهم مع السيد السيستاني، بيد ان الاخير قد اوصد الباب في وجوههم فلم يتمكنوا من لقائه، فيما الحرب قد بدأت من جهة الجنوب العراقي بينما وصل بالتزامن مع انطلاقتها مجموعات ليست قليلة من الاسلاميين الى الارض العراقية قادمين من ايران، كما سهل البطء في العمليات العسكرية بمدينة ام قصر عملية ازدياد هذه المجموعات وتوغلها في عدد من المحافظات الجنوبية وبغداد ايضا.
سقط النظام وبقيت الارض العراقية ـ رغم تواجد الجيش الاميركي فيها - قابلة للصراع افقيا وعموديا بين طهران وواشنطن، ولم تنشط طهران في هذا الصراع على ارض الجنوب العراقي كما يحسب البعض، بل تعداه في مناطق الغرب ايضا.
تدخلات اخرى من دول الجوار بالشأن العراقي ميدانيا ودخول عناصر «تنظيم القاعدة» وقيامهم بأعمال وحشية، قد منحت الجانب الايراني مساحة مريحة لهامش المناورة، والرد على الاتهامات الموجهة اليها بالتدخل السلبي في الساحة العراقية، ففي وضع امني مرتبك ومتشابك رافق فيه دخان البنادق والمتفجرات سماء العراق منذ اطاحة النظام السابق وحتى اللحظة، من شأنه ان يتيح لاي من الاطراف الضالعة فيه قوة النكران والتنصل من قوة الفعل.
واذا ما كان هذا هو المجلد الساخن الذي كتبته طهران لواشنطن في الارض العراقية، فثمة مجلد ثان قد اعدته منذ انطلاق العملية السياسية التي اعقبت سقوط النظام ، فقد سارعت الى الاعتراف بمجلس الحكم المؤقت وكل الوضع العراقي الجديد، كما بادرت بشكل لافت الى فتح سفارتها في بغداد لتمد خيوط الوصال مع كل الاطراف السياسية الفاعلة بلا استثناء، ناهيك عن ابرام الاتفاقات النفطية والتجارية وتبادل الزيارات شبه المكوكية للمسؤولين بين البلدين.
وبلا مواربة يمكن القول ان السياسة التي انتهجتها ايران في الشأن العراقي قد اوصلت اميركا الى قناعة بضرورة الجلوس معها على الطاولة العراقية مرتين والثالثة على الابواب بطلب اميركي.

زيارة نجاد في ظل حصاد البيدر
في ظل ما تقدم يمكن القول ان الرئيس الايراني قد وصل بذراع ممدودة وسيبرم عددا كبيرا ومهما من الاتفاقات الثنائية، وقد يتبرع بمشاريع تخص الخدمات التي يعاني فقدانها او شحها العراقيون في ظل استغرابهم ودهشتهم لعدم تمكن اميركا من توفير شبكة الكهرباء على سبيل المثال عقب خمس سنوات من وجودها الفعلي في العراق.
زيارة نجاد جاءت عقب حصاد البيدر بالمنجل الايراني، ليؤكد «هنا طهران» في ظل التهديدات الاميركية لبلاده في قضية مفاعلها النووي، وحث واشنطن للدول المعنية على اتخاذ المزيد من العقوبات ضد ايران.
كما سيلتقي نجاد خلال هذه الزيارة السيد السيستاتي الذي احجم عن استقبال اي مسؤول اميركي، لما لذلك من دلالات ورسائل ليست مريحة بالتأكيد لاميركا. فبعد ان وصلت الذراع الايرانية الى مرحلة اللاعب الاقوى في المشهد العراقي باتت تعتقد ان الساعة قد ازفت لتوجيه رسالة ابلغ من خلال رئيسها الى الجانب الاميركي.
هذه الرسالة تتضمن ضرورة التوقف عن ممارسة الضغوط الاميركية على ايران بشأن قضيتها النووية، والاعتراف بطهران لاعبا قادرا على دحرجة المشروع الاميركي في العراق الى ما هو أسوأ في حال واصلت واشنطن مزيدا من ضغوطها على الكاهل الايراني .
ولم يغب عن الذهن الايراني في رسالة نجاد سعيه الى ايصال اميركا الى خطوة ابعد من الاقرار الضمني بالدور الايراني المؤثر ليتعداه الى ضرورة الاستجابة لبعض الاصوات الداعية في اميركا ودول حليفة لها الى فتح حوار مع طهران لتسوية ازمة الملف النووي وقضايا اخرى عالقة بين البلدين، مع الاخذ بعين الاعتبار في هذا الجانب التصريح الذي كان اعلن فيه مرشد الجمهورية الايرانية آية الله علي خامنئي امكان تسوية الخلافات مع اميركا في حال «رشحت قناعة بوجود فائدة للشعب الايراني في ذلك».


        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS