عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الاثنين 29 ديسمبر 2008 ,01 محرم 1430 , العدد 12781 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية    فنون  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 01/02/2008
«ريتشارد الثالث» كونية الشخصية الشكسبيرية:
البسام يمزج العالمية بالمحلية وينطلق.. والمؤامرة ليست نظرية متآكلة
 
نيقولا دانييل
نيقولا دانييل
كتبت نسرين طرابلسي:
خلافاً لضيوف مجلة «العربي» والدعوات الموجهة، توافد الجمهور الى صالة مسرح الميدان لحضور «ريتشارد الثالث» في الأيام الثلاثة للعرض. العرض الذي سبقه صيته. ولأن عرضا مشاغباً كهذا يستقطب جمهوراً أكثر شغباً؛ اندسست في اليوم الأول في الصف السادس من الصالة وفي اليوم الثاني في الصف الثالث ولم يسنح لي الازدحام غير المسبوق دخول العرض في اليوم الثالث. الانزعاج الذي اعترى بعض الحضور الذي انتظر منذ الخامسة مساء فرصة الحصول على بطاقة كان ظاهرةً صحية تثلج الصدر. وليت الطوابير المصفوفة انتظاراً لعرض مسرحي مجاني تستمر يومياً وعلى مدار العام وببعض الدراسة للظاهرة وأسبابها ونتائجها يمكن أن تعود الكويت مركزاً منيراً للانتاج المسرحي العربي المتميز كما كانت في فترة خلت لن نتباكى عليها حالياً.

جهد كبير بذله سليمان البسام لقراءة النص الشكسبيري ريتشارد الثالث، الذي لا يعتبره النقاد من أفضل النصوص الشكسبيرية نظراً إلى طوله وارتباطه المتسلسل موضوعاً بنص سابق هو هنري الرابع ولاختلاف النقاد حول الشخصية الأساسية ريتشارد التي استمدها شكسبير من التاريخ والتي يقال إنه شوهها وأساء اليها. ولكن كل هذا لا يهم حقاً، وسيتفاعل أي متفرج مع عرض البسام حتى ان لم يكن قد سمع بشكسبير من قبل. فالاعداد أبقى على الحبكة وأسماء الشخصيات الانكليزية مطلقاً العنان لخياله وواقعه العربي ليعيد صياغة النص بلغة امتزجت فيها الفصحى باللهجة البدوية. مستفيداً من كونية الشخصيات الشكسبيرية ودقة وصلابة ومرونة بنائها انسانياً ونفسياً، ليحمّلها ثقل الاسقاط العربي بكل زخمه وتعقيداته. ابتداءً من المفتتح الذي تقدم شيفرته الأولى ملكة العهد البائد مارغريت التي تقول صراحة في مونولوغها «أنا عربية واسمي ليس مارغريت»..، مقدمة طرف الخيط للجمهور الذي أمسكه بقوة ساحباً هذا التفسير بتلقائية حتى نهاية العرض.
اللغة لعبت دوراً كبيراً في ابقاء الجمهور صاحياً ومتنبهاً وفاصلاً بين الأسماء الانكليزية للشخصيات وبنائها العربي، بينما جاءت الأزياء المستمدة من المنطقة العربية (الدشداشة والغطرة والعقال والدراعة والبشت...) حاجزاً أكيداً بين أي خلط يمكن أن يتولد أثناء التفسير وبين المعنى الذي أراد وصوله إلى الجمهور الذي تنوعت جنسياته تنوعاً لافتاً.
لا شك في أن عرضاً كهذا وان احتاج جرأة كبيرة ليقدم على مسرح شكسبير (swan theatre) في ستراتفورد، فهو احتاج جرأة أكبر تدعو إلى الافتخار ليقدم في الكويت ومنها سيغادر الى بعض العواصم العربية والغربية الذي ننتظر أصداء مروره بها.
تقنيات
لم يوفر البسّام أي تقنية حديثة أو تقليدية للسير بعرضه في الاتجاه الذي أراده. فاستغل خشبة متوسطة ليحيط بها الجمهور من ثلاث جهات متورطاً بالأحداث، وخاصة بتعدد مداخل ومخارج الممثلين فكانت أنفاسهم وكلماتهم تختلط بأنفاس المشاهدين الأقرب ويسمع حفيف أزيائهم. وبين تقنيات ـ احتلت بمجملها مستويات الخشبة المتعددة ـ كشاشات السينما والتلفزيون والمقتطفات الفيلمية الوثائقية والمنشورات التي تتساقط على الجمهور (وهي من تقنيات المسرح السياسي). وبين خيال الظل والعرض الحيّ التمثيلي، والراقص والموسيقي (الطنبورة والعرضة والسامري). وجد الجمهور نفسه في حالة استنفار الوعي الحسي والشعوري للاحاطة بمفردات العرض ومنظوماته اللغوية. فامتزجت اللغات المغرقة في محليتها المنطوقة والمعزوفة مع اللغة الانكليزية مطبوعة ومنطوقة دون أن تؤثر على أي تفسير شمولي للمعنى المطلوب.
النص عزف على وتر «المؤامرة» التي أخذت تثير السخرية نظرياً، بينما نجدها في نص العرض صيغة درامية أساسية (وواقعية) لتردي الوضع السياسي الذي يعصف بالمنطقة. ابتداء من المؤامرات المحبوكة في قصور الحكام في صراع مستمر على السلطة واتساع دوائرها لتنتهي بالمؤامرات الدولية في صراع الهيمنة. وما يسبَغ عليها اعلامياً من صفات تمنحها شرعية زائفة. ومن هنا جاءت جرأة العرض الذي لم يتوان في تسمية الأشياء بمسمياتها أحيانا بالاستعانة بالأيقونات الشكلية واللفظية، كالمناظرة التلفزيونية للعبث بعقول الناس وايهامهم بأن تنصيب ريتشارد ملكاً جاء بارادة ومطالبة شعبية محققاً النسبة السحرية الساحقة 99%!، وشعار السفارة التي تلجأ اليها الملكة اليزابيث لتعينها على دحر ريتشارد، وخطاب بالانكليزية لممثل القوات الأجنبية ريتشموند (نايجل باريت) الذي وظفت فيه عباراتٌ مترجمة من القرآن الكريم. ناهيك عن دلالات الأزياء واللغات كما أسلفنا الذكر.
التمثيل
دأب المخرج سليمان البسام على انتهاج خط الاستعانة بممثلين من مختلف الدول العربية منذ عرضه الشهير مؤتمر هاملت. وليس الأمر لقصور ممثلين من دولة واحدة على القيام بالمهمة. وأرى أن الغاية من ذلك لا تنفصل عن غاية العرض الأساسية وهي التوجيه الى شمولية القضية. التنويع في الممثلين أثر بشكل أو بآخر في تنويع اللعب على اللهجات العربية وان كانت اللهجة البدوية هي المسيطرة بينما مرر الممثلون عبارات مرتجلة بلهجاتهم المحلية كالسورية واللبنانية والعراقية والكويتية سواء بقصدية أو بعفوية مما أضفى بعداً على المعنى وعلى الكوميديا اللفظية نفع ولم يضر.
الممثلون القديرون كفايز قزق وأمل عمران السوريين وجاسم النبهان الكويتي ونقولا دانييل اللبناني ومناضل داوود العراقي ملأوا العرض زخماً أدائياً وبرزت بصماتهم جلية في الانسجام الكلي، بينما جاء أداء المونولوغات الفردية لفايز قزق وأمل عمران كمشاهد أساسية بارزة. بينما شكلت مشاركة الفنان الشاب فيصل العميري لمسيرته الفنية الواثقة منعطفاً خطراً ومهماً. كلٌّ من الممثلين قدم شخصيتين على الأقل، كما ورد في البروشور الاعلاني الفاخر الذي وزع على الحضور. جودة التمثيل ساهمت في فهم بعض الايحاءات التي لم يبذل الماكياج أو الاكسسوارات جهدا كبيراً لتفسيرها. فالأدوار نابعة من حبكة شكسبيرية محكمة، والجمهور انساق بسهولة مع فكرة الأعمار المتقدمة للملكتين مارغريت (أمل عمران) واليزابيث (كارول عبود) على رغم أن الأولى أدت دوراً لولي العهد الصغير أيضاً مستعينةً بالزي وبملامح وجهها الطفولية المعبرة وخبرتها البارزة في التلوين الصوتي، دون حدوث. لبسٍ أو ارباك في التلقي.
الحكاية بين الأصل والإعداد
المآسي الشكسبيرية تبدأ قبل بداية العرض. فهنا عهد زال بالمؤامرة، وعهد حالي تتهدده المؤامرة، وأمير يحيك مؤامرة ليصبح ملكاً، ومؤامرة لا توفر شيطاناً للتحالف لتطيح به وتستعيد عرشها. في هذه الدائرة وظف المخرج منذ البداية أسمالاً باليةً ممزقة مطبوعة بأحرف عربية للدلالة على قدم الحكاية واستهلاكها. وفي خضم ما يحاك وراء كواليس السياسة التي تحبكها أيد خفية كمستشار البلاط باكينغهام (ريموند حسني) الذي يلعب دوراً أساسياً في اللعب على كل الحبال وتحريك الشخصيات كالدمى لتحقيق أطماع شخصية، يتوج الموت شخصيات شكسبير في نهاية كل عمل بينما لم يكن هذا الموت هو الوحيد الذي طرحه العمل العربي. فبالاضافة الى معاناة الشعب العربي موتاً في الأراضي المحتلة الذي ظهر على الشاشة الخلفية، تم استعراض أسماء بعض شهداء الأمة العربية على امتداد تاريخها الاسلامي والحديث. تأكيداً على أن الحكاية المختارة للعرض لم تبدأ هنا ولن تنتهي هنا.
ولا أريد توجيه الاصبع الى شخصية دكتاتور بعينه يمكن أن يكون الاسقاط أراد أن نعرفه بالاسم. فالدكتاتور يبدأ طامحا صغيراً تنفخ فيه الأيدي الطويلة جذوة العظمة التي يحمل بذورها في ذاته، ثم تتخلى عنه وتتركه لمصيره المحتوم بمعونة يديها. المشهد الختامي (the master seen) للعمل حين يخوض ريتشارد المعركة مقاضياً المُلْك الذي كلفه تلطيخ يديه بدم القتلى الأبرياء وغير الأبرياء بحصان للهرب أو للاستمرار هو المشهد الأساسي الشكسبيري، وهو المشهد الذي ارتأى سليمان البسام أن يبقيه خاتمة للعرض والمعنى. فلكل طاغية ساعة كما يحكي لنا التاريخ القديم والمعاصر، ومن الكأس نفسها التي يسقونها للشعب يشربُ الطغاة.
اختصار المشاهد الشكسبيرية ليس بالأمر السهل والميسر، وبذكاء استطاع المخرج تكثيف ثلاثة مشاهد بالاستعانة بتقنية الشاشة السينمائية معتمدا على مقولة محلية مضمرة «خذوا فالهم من عيالهم» في مشهد قراءة مارغريت لمستقبل الملكة اليزابيث، حيث كانت تنصت إلى ما يقوله الأمير الصغير على الشاشة: «عمي ريتشارد يقول النباتات الخبيثة تنمو وتتطور..». فتلفظ نبوءتها بمقتل الأميرين الصغيرين. لأنهما بالنسبة إلى ريتشارد النباتات التي ستنمو وتأخذ منه التاج.
ملتبسات
كان يجب ألا تفوت المخرج بعض الملاحظات التي تخلق التباساً لدى الجمهور ويمكن أن تتوضح ببساطة، وقد تُفسَّر تعالياً على الجمهور حين تتنوع ثقافاته وشرائحه. منها مثلا المونولوغ الأخير لريتشموند قائد القوات الأجنبية الذي لم يترجم للجمهور العربي. وكان يمكن ببساطة تحويل الترجمة الى العربية على الشاشة اليسرى أو عرض الترجمة على الشاشة السينمائية في عمق الخشبة. فالمسرحية تعرض بدعوة عامة وكان خطأ اغفال هذه الملاحظة، مما أضاع الغاية من الدور لمن لم يستوعب المعنى الحرفي للمونولوغ الانكليزي المهم لريتشموند الذي كان يبرر فيه تدخل القوات الأجنبية، مستعيناً بثقافة المنطقة بآيات من القرآن الكريم وسيل من الوعود بالحرية والديموقراطية القادمة، مما يفسر الضّحك الساخر للملكة مارغريت التي تمثل مأساة البداية وعرافة الأحداث ومتنبئة المصائب وصابّة اللعنات. كذلك بعض الشيفرات التي لم تفهم مثل الرسائل الانكليزية التي كتبت برمزية الحروف الأولى واستغرقت وقتا من الجمهور ليفهم أنها رسائل تجسس يرسلها مستشار القصر لسفير القوات الأجنبية. الحزام الدال على تشوه ريتشارد نفسياً وجسدياً لم يؤدّ. المطلوب منه ولو استُغي عنه لما أحدث فرقاً وكانت كافية الصفات التي نعتته بها مارغريت. ولوحة الفراولة الحمراء المغطاة بندف الثلج الأبيض المتساقط والتي قد تعني الأجواء القاسية التي تعصف بالأميرين الغضّين. وكذلك لقب أم أحمد للمرأة التي تلجأ إلى الوزير بحثاً عن ابنها المفقود، فاللقب جاء دخيلاً ومحملاً بشيفرة لا ضرورة لها لأن تفسير الاسقاط يتم تلقائياً من البداية حتى ان كان اسمها أم غوردن أو أم مايكل. والحقيبة بشكل الكلب التي حملتها الأميرة آن (نادين جمعة) حين عودتها الى القصر أثارت ضحك الجمهور من دون فهم المعنى والدلالة الغامضين. وفي عرض كهذا لا يجب أن تدخل شيفرات اعتباطية مهما بدت صغيرة وبديهية برؤية المخرج، لأنه في تلك اللحظة ينسى أن أمامه خليط جمهور يلتقط ويفسر ويتأثر.
دعوة إلى العودة
نعود للاشادة باجازة هذا العمل للعرض في الكويت. وكان الجمهور يؤكد أنه الحدث الأبرز في احتفالية اليوبيل الذهبي لمجلة «العربي» التي غاب عنها الاعلام المرئي غياباً محزناً، حتى أن أحد الاعلاميين الزوار أكد لي أن هذا الكم من الضيوف لو زار بلده لاستطاع أن يغطي به دورة برامجية كاملة ومميزة على شاشة التلفزيون، فعضضت غصتي وهززت رأسي موافقة.
مجلة «العربي» لم تكن يوما مجلة للنخبة رغم نخبوية كتابها ومحرريها. بل كانت متاحة للقراء العرب في كل أصقاع الوطن وتجهد للوصول اليهم، فان بقيت ندوات احتفالية «العربي» حبيسة جدارن القاعة رغم أهميتها، المحاضرون هم الحضور وهم المعقبون والمعلقون! فلا بد من الاشارة من جديد ومن دون توقف الى خطورة المسرح وشعبيته، فالمدعو الحاضر أعلم الغائب والمغيّب والأيام الثلاثة للعرض عجزت عن استيعاب جمهور أتى وحضر وأنصت وتابع بعطش وانتظر بصبر حتى لحظة اغلاق الباب مع اعتذارات المخرج المتكررة لجمهرة سيئة الحظ بأن لم يبق محلات في يوم العرض الأخير. عمل كهذا يؤكد أولاً أن أزمة المسرح ليست أزمة نصوص بل هي أزمة ابتكار ودعمٍ قوي وحريةٍ متاحة للتعبير، وهو ما بدا أن المخرج البسّام استطاع اقتناصه وحصل عليه بوفرة. وكان علينا أن نفتخر بذلك بكل أدواتنا. فما المانع أن يعود العرض في اطار مهرجانات الكويت أو في مواسم الأعياد ويفتح له شباك التذاكر؟ وما المانع أن يكونهذا العرض درساً كي لا تبقى العروض المميزة في الأكاديميات والمهرجاناتأسيرةَ عرضٍ واحد؟ والأمثلة كثيــرة!
• مشهدان من مسرحية «ريتشارد الثالث»
• مشهدان من مسرحية «ريتشارد الثالث»
• مشهدان من مسرحية «ريتشارد الثالث»
• مشهدان من مسرحية «ريتشارد الثالث»
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS