فاطمة عثمان البكر
الأمراض النفسية التي تصيب الأفراد، تصيب المجتمعات أيضاً إلى حد كبير، هي النفس البشرية على كل حال، وما المجتمع إلا مجموعة من الأنفس، فإذا كان الطابع العام في مجتمع ما يوحي بالاكتئاب والإحباط ويقل فيه السرور والابتهاج فيصح أن نسميه «مجتمعاً مكتئباً» وان لم يشمل أفراده بطبيعة الحال، المهم هو الطابع العام.
وإذا كان المرض النفسي الاجتماعي يُشكل «ظاهرة في المجتمع» بمعنى ان نسبة الإصابة به بين أفراد ذلك المجتمع تفوق النسب العالمية بكثير، فهو مصاب في جزء كبير منه بذلك المرض ويوشك ان يزيد ويعم.. ما لم توجد له العلاجات والحلول.
هناك مجتمعات «مكتئبة» ليس فيها فرح بالمعنى الصحيح، فهي كالفرد المكتئب الذي لا يحس بأي فرح في حياته رغم ان ظروفه طيبة ولكنه المرض:
«ومن يك ذا فم مرٍ مريض
يجد مرا به الماء الزلالا»
وهناك مجتمعات مصابة بالقلق والتوتر، فهي مثل الفرد القلق تنتابه مشاعر مختلفة من الشد والعصبية ورؤية الجانب السلبي من الحياة، والخوف من شيء مجهول، كما حدث للمجتمع الالماني في العهد النازي حين حكمه مهووس وموتور مثل هتلر، وأوحى له بجنونه وهوسه الأعمى، أن السيادة للعرق الآري وللشعب الالماني فقاده إلى الهاوية، انهزم وانتحر واندثر، وتبع هوسه كثير من الدكتاتوريين فانتهوا إلى ما انتهى إليه، وأصبحوا أمثولة للتاريخ وعبرة لمن يعتبر وأغرقوا شعوبهم ومجتمعاتهم في صراع مرير.
هناك مجتمعات تعيش في «وسواس» وأخرى تجتر ذكرياتها ولا تعيش حاضرها ولا تفكر في مستقبلها على المدى المنظور، أخرى تفقد الذاكرة، وثالثة تصاب بالفصام، فالمجتمعات كالأفراد ليست بمنجاة من الأمراض النفسية، والإنسان ابن مجتمعه ومهما تحصن بعالمه الخاص فإن الوضع العام يدخل في عالمه الخاص شاء أم أبى، فالمجتمع المصاب بالاكتئاب في طابعه العام يجعل النفوس تميل إلى الانقباض، وان المبتهجين لا يستطيعون أن يستخرجوا ما في نفوسهم من ابتهاج تماشياً وتأثراً مع السياق العام.
ومن الملاحظ ان مجتمعاتنا العربية المعاصرة خاصة، والإسلامية عامة، تعاني «الاكتئاب التفاعلي».. والقلق المزمن، تجتر هاجس المؤامرة، تعاني العجز والتخلف عن ركب الأمم ولا علاج لها إلا بتغيير نفسها، و«ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» صدق الله العظيم.
فيا أيها العقلاء لا تحجموا الفرصة، ولا تلجموا الدمعة، لا تخلقوا في كل يوم «أزمة»، فالأزمات تتناسل والكوارث تتناسل.. تخلق لجيل واعد أزمة أفق مظلم مسدود!